غزة / معتز شاهين:
تشهد الساحة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة تصعيدًا متسارعًا في سياسات الاستيطان والإجراءات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، بالتزامن مع إعلان وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش ما وصفه بـ"الحرب على الضفة الغربية، على خلفية مذكرة اعتقال صادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية، وما رافق ذلك من أوامر بإخلاء فوري لمنطقة الخان الأحمر، والتلويح باستهداف أي أصول مالية أو سياسية تابعة للسلطة.
ويُنظر إلى هذا التصعيد في سياق أوسع يتجاوز الردود اللحظية، ليعكس مسارًا سياسيًا متواصلًا يهدف إلى تكريس وقائع ميدانية على الأرض عبر توسيع الاستيطان وتعزيز السيطرة على مساحات واسعة من الضفة الغربية، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من أن هذا النهج قد يزيد من احتمالات الانفجار الميداني.
ويرى مختصون بالشأن الإسرائيلي أن الإجراءات التي يتخذها سموتريتش، سواء في الضفة الغربية أو تجاه السلطة الفلسطينية، تهدف إلى تعزيز حضوره السياسي والشخصي، مستندين إلى استطلاعات رأي إسرائيلية تشير إلى أنه لا يحظى بوزن انتخابي حاسم، وأن استمراره في المشهد مرتبط ببقاء الحكومة الحالية.
وأوضح المختصون، في أحاديث منفصلة لصحيفة «الاستقلال» أمس الأربعاء، أن هذه السياسات لا يمكن فصلها عن البعد الديمغرافي والصراع على الهوية، إذ يرى اليمين الإسرائيلي أن أي توسع فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل الفلسطيني يهدد فكرة «الدولة اليهودية» وفق منظوره السياسي.
وكان سموتريتش قد أعلن، خلال مؤتمر صحفي عُقد الثلاثاء، عزمه التوقيع على أمر بإخلاء قرية الخان الأحمر قرب القدس المحتلة فور انتهاء كلمته.
وأكد أن حكومته تعمل على تخطيط وبناء المستوطنات بطريقة تجعل المشروع الاستيطاني «غير قابل للإلغاء»، موضحًا أن قرار الإخلاء جاء ردًا على أوامر الاعتقال الصادرة بحق مسؤولين في حكومة الاحتلال من المحكمة الجنائية الدولية، والتي شمل أحدها اسمه على خلفية دوره في الحرب المستمرة على قطاع غزة.
وفي لاهاي، امتنعت المحكمة الجنائية الدولية عن التعليق، مشددة على سرية الإجراءات، بينما أكدت في وقت سابق استقلالية المدعي العام واعتماده على معايير النزاهة في اختيار القضايا التي يحقق فيها.
ويُعد قرار الإخلاء امتدادًا لمسار طويل من المحاولات الإسرائيلية لهدم تجمع الخان الأحمر، الذي يقطنه بدو من عشيرة الجهالين، ويقع في موقع استراتيجي شرق مدينة القدس، قرب مستوطنتي «معاليه أدوميم» و«كفار أدوميم».
وتكتسب المنطقة أهميتها الاستراتيجية من كونها تربط شمال وجنوب الضفة الغربية المحتلة، ما يجعلها نقطة محورية في مخططات التوسع الاستيطاني وفصل الجغرافيا الفلسطينية.
حسابات انتخابية
وفي السياق ذاته، اعتبر المختص في الشأن الإسرائيلي الدكتور عمرو جعارة أن تصريحات سموتريتش الأخيرة بشأن استهداف الفلسطينيين في الضفة وتوسيع الاستيطان تأتي في إطار سياسي داخلي أكثر منها قرارات استراتيجية طويلة المدى، مشيرًا إلى أنه لا يحظى بوزن انتخابي حاسم في استطلاعات الرأي الإسرائيلية، وأن بقاءه مرتبط باستمرار الحكومة الحالية التي يُتوقع ألا تتجاوز بضعة أشهر إضافية.
وأوضح جعارة لصحيفة «الاستقلال» أن هذه الإجراءات تهدف إلى تعزيز الحضور السياسي والشخصي لسموتريتش، لكنها في الوقت نفسه تتعارض مع اتجاهات داخلية إسرائيلية ترى أن التصعيد في الضفة لا يخدم المصالح الإسرائيلية على المدى البعيد، بل يسيء إلى صورتها الدولية.
وأشار إلى أن بعض المسؤولين الإسرائيليين ينتقدون هذه السياسات، معتبرين أنها تُظهر "إسرائيل" «بوجه قبيح» في ظل تصاعد الانتقادات الدولية للممارسات في الأراضي الفلسطينية.
وفي ما يتعلق بالاستيطان وإجراءات إخلاء الخان الأحمر واستهداف السلطة ماليًا، رأى جعارة أن هذه السياسات لا يمكن فصلها عن البعد الديمغرافي والصراع على الهوية، حيث يرى اليمين الإسرائيلي أن أي توسع فلسطيني في الضفة وغزة والداخل يهدد فكرة «الدولة اليهودية» من منظورهم السياسي.
وحول احتمالات انفجار الأوضاع في الضفة الغربية، أكد جعارة أن استمرار الاعتداءات والاستيطان وعمليات التقييد قد يؤدي إلى موجات تصعيد شعبية بأشكال متعددة، مشيرًا إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن الضفة كانت دائمًا نقطة انطلاق لانتفاضات فلسطينية بأشكال مختلفة.
وشدد على أن التعامل مع هذه السياسات قد يأخذ أشكالًا متعددة، سياسية وميدانية، في ظل استمرار التوتر وتزايد الاحتكاك على الأرض، محذرًا من أن تجاهل هذه التطورات قد يقود إلى انفجار ميداني أوسع.
قلق سياسي
من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي فايز سويطي إن سموتريتش «شخص متطرف ومأزوم»، ويخشى خسارة موقعه السياسي في الانتخابات المقبلة، في ظل ما تشير إليه استطلاعات الرأي من احتمالية عدم تجاوزه نسبة الحسم، إلى جانب ملاحقته من قبل المحكمة الجنائية الدولية.
وأضاف سويطي لصحيفة «الاستقلال» أن غضب سموتريتش انعكس في سياسات متشددة وإجراءات قمعية، سواء تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية أو في مواقفه السياسية، معتبرًا أن ما يجري يعكس «جوهرًا فاشيًا» في سلوك الوزير وسياساته التي تستهدف الفلسطينيين بشكل مباشر، بما في ذلك إخلاء الخان الأحمر وتوسيع الاستيطان.
وأوضح أن سموتريتش، بصفته أحد أركان الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، يعبر عن سياسة ممنهجة تهدف إلى «اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم»، مشيرًا إلى أن الاستيلاء على أموال المقاصة وتوسيع البؤر الاستيطانية والمصادقة على مستوطنات جديدة يأتي ضمن هذا النهج.
وأكد سويطي أن تزامن العقوبات الإسرائيلية على السلطة الفلسطينية مع التوسع الاستيطاني وإخلاء الخان الأحمر يعكس نهجًا قائمًا على الضغط السياسي والاقتصادي بالتوازي مع فرض وقائع ميدانية، بهدف إضعاف السلطة وترسيخ السيطرة الإسرائيلية في الضفة، بما ينعكس على فرص أي تسوية سياسية مستقبلية.
وحذّر من أن تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك البطالة والفقر وانقطاع الرواتب وتزايد الاعتقالات وتهميش ملف الأسرى، قد يهيئ الأرضية لاندلاع تصعيد واسع في حال استمرار السياسات الحالية.
بين الاستيطان والتهجير.. سموتريتش يدفع نحو مواجهة مفتوحة في الضفة
تقارير وحوارات


التعليقات : 0