"مهند فروانة".. عريس زُف شهيداً في يوم زفافه

تقارير وحوارات

غزة/ دعاء الحطاب:

في الليلة التي سبقت يوم زفافه، بدت الأجواء مختلفة في محيط خيمة الشاب مهند فروانه (25 عامًا)، الزينة عُلقت على جوانب الخيمة، والورود وُضعت في أماكنها، فيما تعالت أصوات الأغاني والتهاني بين الأصدقاء والأقارب الذين تجمعوا لمشاركة العريس فرحة انتظرها طويلًا.

كان كل شيء يسير كما خُطط له، الطعام والمشروبات وُزعت على المعازيم، والضحكات ملأت المكان، بينما تنقل "مهند" بين الحضور يتلقى التهاني ويستعد للساعات الأخيرة التي تسبق انتقاله إلى حياة جديدة مع عروسه، لكن لم يكن يعلم أن تلك الليلة ستكون آخر ما تبقى له من الفرح.

فبعد ساعات قليلة، وبينما كان نائمًا داخل خيمته بانتظار صباح زفافه، دوى انفجار عنيف مزق سكون المكان، وخلال لحظات، تحولت الخيمة التي ازدانت بالورود والزينة إلى كتلة من النار والدخان.

هرع أفراد العائلة والجيران إلى المكان في محاولة للإنقاذ، غير أن العريس الذي كان ينتظر أن يُزف إلى عروسه صباحًا، أُخرج جثة هامدة من بين ألسنة اللهب، وفي مشهد صادم للعائلة، تحولت مراسم الزفاف المنتظرة إلى بيت عزاء، واستحال المهنئون الذين حضروا للاحتفال إلى معزين يواسون أسرة فقدت ابنها قبل ساعات من يوم عرسه.

واستشهد الشاب مهند فروانة في الساعة الثالثة فجراً من يوم السبت الماضي، إثر غارة جوية إسرائيلية استهدفت خيمة كان قد أعدّها وزيّنها فوق سطح منزل عائلته في وسط مدينة خان يونس جنوب القطاع، لتكون عش الزوجية.

راح العريس وظلت بدلته"

 

على شماعةٍ صغيرة نجت من الحريق، بقيت بدلة الزفاف معلّقة كما تركها صاحبها، تنتظر صباحًا مختلفًا يخرج فيه مهند عريسًا إلى قاعة الفرح. لكن صاحب البدلة لم يعد، وبقيت هي شاهدةً على فرحة لم تكتمل.

وفوق رماد الخيمة، وقفت والدته تتأمل ما تبقى من أحلام ابنها، وقالت بحسرة: "راح العريس وظلت بدلته."

وتضيف بصوت يختلط فيه الحزن بالفخر: "كان مهند ينتظر ليلة عمره، وكل شيء كان جاهزًا للفرح،  قبل استشهاده بيوم واحد فقط كانت الزينة معلقة، والناس تبارك له، و بدلته الجديدة تنتظر يوم الزفاف، لكن الاحتلال حرمه من ارتدائها، وقتل فرحتنا فيه".

وتتابع بألم يعتصر قلبها : "بدل ما نزفه عريساً بين أهله وأصحابه، زففناه شهيداً، وتحول الفرح إلى عزاء، والأغاني إلى بكاء".

وتنهي حديثها، بينما كانت تحتضن بدلة زفافه: "كلما نظرت  لبدلته أشعر أن ابني كان على موعد مع الحياة، لكن الموت سبقه إليها".

"الحديث الأخير"

وبينما كانت الأم تتشبث بما تبقى من تفاصيل الفرح المؤجل، كان والد "مهند" يقف على مقربة منها، يعيد شريط ذاكرته إلى آخر حديث جمعه بفلذة كبده، حديثٌ بدا عاديًا في حينه، لكنه تحول بعد ساعات إلى ذكرى أخيرة يتشبث بها الأب كلما اشتد الحنين.

بغصة تعترض صوته، يستعيد والد الشهيد تفاصيل الساعات الأخيرة قبل استهدافه، قائلاً: " كان مهند عريساً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كان طاير من الفرحة، وفرحتنا فيه كانت أكبر".

ويتابع: "بعد انتهاء سهرة الشباب، ظل مستيقظًا يراجع ترتيبات القاعة والسيارات وكوافير العروس، وحتى بدلته علّقها بنفسه، بعدها طلب مني قطعة حلوى وذهب لينام".

ويشير إلى أن مهند كان يتابع بنفسه أدق التفاصيل المتعلقة بحفل زفافه الذي انتظره طويلًا وحلم به رغم ظروف الحرب والنزوح.

 

ويضيف بحسرة: "كان يحلم ببيت صغير يجمعه بعروسه، وكان يتحدث دائمًا عن المستقبل والأطفال والحياة التي يريد أن يبنيها، لم يكن يفكر إلا بالفرح الذي ينتظره."

ويوضح الوالد، أن مهند كان يعمل في أي فرصة تتاح له، سعياً لتأمين تكاليف الزواج وبناء حياة بسيطة مع عروسه، رغم الظروف الاقتصادية القاسية التي فرضتها الحرب.

ويختتم حديثه قائلاً: "كل شيء احترق بلحظة، أخرجناه جثة هامدة رغم محاولات إطفاء النار، وحتى ملابس العرس و العفش الذي جهزه احترق بالكامل".

وتجسد حكاية العريس "مهند" جانباً من واقع آلاف الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة الحرب حتى في أكثر لحظاتهم خصوصية، فالأحلام المؤجلة، والبيوت التي لم تُبنَ، وحفلات الزفاف التي لم تكتمل، أصبحت جزءاً من يوميات عائلات فقدت أبناءها وهم يخططون لبدايات جديدة. 

وبقيت صور مهند بملابس الزفاف شاهدة على قصة شاب خرج بحثًا عن حياة جديدة، لكنه لم يتمكن من إكمال الطريق، وبين الزغاريد التي كانت تنتظر لحظة دخوله عريساً، وصمت الفقد الذي خيم لاحقًا على المكان، تظل حكايته واحدة من القصص الإنسانية التي تختصر حجم الخسارة التي يعيشها الفلسطينيون في زمن الحرب.

التعليقات : 0

إضافة تعليق