غزة/ سماح المبحوح:
حذر المحلل السياسي عدنان الصباح من أن قرار وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش سحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل ونقلها إلى سلطات الاحتلال، وإلغاء العمل باتفاق الخليل الموقع عام 1997، يفتح الباب أمام فرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المدينة وسرقة مزيد من الأراضي وتسريع مشاريع الضم والاستيطان.
وأكد الصباح، في حديثه لـ»الاستقلال»، أن القرار يشكل تصعيداً غير مسبوق ومحاولة لفرض أمر واقع جديد، من خلال نقل صلاحيات مهمة من الجانب الفلسطيني إلى الجانب الإسرائيلي، معتبراً أنه خطوة إضافية نحو تعزيز السيطرة الإسرائيلية المباشرة على مناطق حساسة في المدينة، وفي مقدمتها محيط الحرم الإبراهيمي.
ويقسم اتفاق الخليل، الموقع في 17 كانون الثاني/ يناير 1997، المدينة إلى منطقتين: «الخليل 1» الخاضعة للسيطرة الفلسطينية وتضم نحو 80% من مساحة المدينة، و»الخليل 2» الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، والتي تشمل أجزاء واسعة من جنوب وشرق المدينة، بما فيها البلدة القديمة ومحيط الحرم الإبراهيمي.
وتبنت أصوات داخل المؤسسة الإسرائيلية هذا التوجه، إذ أكد رئيس ما تسمى لجنة «يهودا والسامرة» في الكنيست تسفي سوكوت أن «إسرائيل» أصبحت الجهة المخولة بالمصادقة على مشاريع البناء، وليس السلطة الفلسطينية، معتبراً أن هذه الخطوة تنهي الاتفاق فعلياً.
وفي المقابل، سارعت وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى نفي ما أعلنه سموتريتش، مؤكدة أن الاتفاق لم يُلغَ، وأن ما صدر عن المجلس الوزاري المصغر «الكابينت» يقتصر على تعديل صلاحيات تتعلق بالتخطيط والبناء للمجتمع اليهودي في الخليل، مبررة القرار بغياب التعاون من بلدية الخليل في هذا الملف.
إلا أن الصباح يرى أن هذه الإجراءات تمثل عملياً تقويضاً للاتفاق، وتنسجم مع سياسة إسرائيلية متواصلة تستهدف توسيع السيطرة على المدينة وتعزيز الوجود الاستيطاني فيها.
وأضاف أن القرار يأتي في سياق خطوات إسرائيلية متلاحقة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع في الضفة الغربية، كان أبرزها ما أعلنه سموتريتش في شباط/ فبراير الماضي بشأن بدء عملية تسجيل مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية كـ»أراضي دولة»، في سابقة هي الأولى منذ احتلال عام 1967.
وفي السياق، كانت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان قد ذكرت أن الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو أقرت منذ تشكيلها قبل نحو ثلاثة أعوام ونصف إقامة 103 مواقع استعمارية جديدة، شملت مستعمرات جديدة وبؤراً استعمارية جرى الشروع بتسويتها ومنحها الشرعية، إضافة إلى أحياء استيطانية يجري فصلها وتحويلها إلى مستعمرات مستقلة.
وقال الصباح: «قبل القرار كانت بلدية الخليل الجهة المخولة بمنح تراخيص البناء في المناطق المشمولة بالاتفاق، أما اليوم فقد أصبح بإمكان المستوطنين إنشاء هيئة أو جسم إداري يتولى إصدار التراخيص ودفع مشاريع التوسع الاستيطاني، ما يضعف الدور والمكانة الفلسطينية في المدينة».
وأضاف: «تعد الخليل المركز التجاري والصناعي الأبرز في الضفة الغربية، ومن شأن القرار أن يضعف قطاعي التجارة والصناعة من خلال زيادة السيطرة على مداخل المدينة ومخارجها والتحكم بمفاصلها الاقتصادية، بما يمنح المستوطنين قدرة أكبر على التمدد وتغيير معالمها الجغرافية والديمغرافية».
وشدد على أن هذه الإجراءات تستهدف «عصب» الاقتصاد في الخليل، وتهدد مقومات الصمود والحياة فيها، محذراً من تداعياتها على مستقبل المدينة وهويتها الفلسطينية.
وتنبع أهمية القرار من أن «بروتوكول الخليل» شكّل طوال نحو ثلاثة عقود الإطار الناظم للصلاحيات الأمنية والمدنية في المدينة، بما في ذلك الصلاحيات التي احتفظت بها بلدية الخليل في مناطق خاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية.
وأُبرم البروتوكول في 17 كانون الثاني/ يناير 1997 بين منظمة التحرير الفلسطينية و»إسرائيل» ضمن الترتيبات المنبثقة عن اتفاقيات أوسلو، وذلك بعد سنوات من التوتر التي أعقبت مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، عندما قتل مستوطن إسرائيلي 29 مصلياً فلسطينياً أثناء صلاة الفجر.
وبموجب الاتفاق، قُسمت مدينة الخليل إلى منطقتين: الأولى «H1» وتخضع للسيطرة الفلسطينية المدنية والأمنية، والثانية «H2» وتبقى تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، وتشمل البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي ومناطق سكن المستوطنين.
ويقع المسجد الإبراهيمي في قلب البلدة القديمة بمدينة الخليل، حيث يعيش مئات المستوطنين الإسرائيليين تحت حماية قوات الاحتلال.
وفي أعقاب مجزرة عام 1994، فرضت «إسرائيل» تقسيم المسجد الإبراهيمي بواقع 63% لليهود و37% للمسلمين، كما تواصل إغلاقه بشكل متكرر أمام المصلين المسلمين خلال الأعياد والمناسبات اليهودية.


التعليقات : 0