حوارات القاهرة بشأن غزة... تقدم محدود يعجز عن حسم الملفات الجوهرية

حوارات القاهرة بشأن غزة... تقدم محدود يعجز عن حسم الملفات الجوهرية
رأي الاستقلال

 

غزة / معتز شاهين:

تشهد حوارات القاهرة المتعلقة بملف غزة تقدمًا نسبيًا، وسط استمرار اللقاءات وتبادل المقترحات بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء، إلا أن المفاوضات لا تزال بعيدة عن التوصل إلى اتفاق نهائي، في ظل استمرار الخلافات حول ملفات جوهرية تتعلق بالترتيبات الأمنية ومستقبل القطاع.

ويرى محللون سياسيون أن المسار التفاوضي دخل مرحلة أكثر تقدمًا مقارنة بالجولات السابقة، مع بقاء الأطراف في دائرة الحوار دون انسحابات، وظهور تفاهمات أولية حول بعض جوانب إدارة القطاع خلال المرحلة المقبلة، غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تنفي وجود ملفات شائكة ما تزال تعرقل التوصل إلى تسوية شاملة.

ويلفت هؤلاء في أحاديث منفصلة مع صحيفة "الاستقلال"، أمس الأحد، إلى أن جوهر التعثر في المفاوضات لا يرتبط بالجوانب التقنية فقط، بل بخلافات سياسية عميقة حول تعريف "التسوية" بين الأطراف المختلفة، في ظل تباين المواقف بشأن مستقبل السلاح، ودور القوات الدولية، وحدود الانسحاب من القطاع.

وتتمثل أبرز نقاط الخلاف في ملف سلاح المقاومة، والترتيبات الأمنية، وصلاحيات الجهة التي ستتولى إدارة غزة خلال المرحلة الانتقالية، إلى جانب ملف الانسحاب الإسرائيلي والضمانات الدولية المطلوبة لتنفيذ أي اتفاق محتمل.

وفي الوقت ذاته، لا تزال المحادثات بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء الدوليين قائمة، وسط أجواء توحي بوجود أرضية مشتركة يمكن البناء عليها لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام مرحلة إعادة الإعمار، ما يعكس جدية الأطراف الفلسطينية والوسطاء في البحث عن حلول عملية تخفف من معاناة سكان غزة وتعيد الثقة بالمسار السياسي، رغم محاولات الإعلام الإسرائيلي التشويش عبر بث الشائعات والاتهامات.

وبحسب مصادر فلسطينية، ناقشت الفصائل ردها النهائي على الوثيقة التي طُرحت عبر الوسطاء بعد إدخال تعديلات جوهرية عليها، حيث ركزت هذه التعديلات على البندين الثامن والتاسع المرتبطين بملف أسلحة المقاومة والأسلحة الفردية، إضافة إلى صلاحيات قوة الاستقرار الدولية. وجرى الاتفاق على أن يقتصر دور هذه القوة على الإشراف دون أي صلاحيات تنفيذية في التعامل مع ملف السلاح، بما يعكس تحفظات الفصائل وإصرارها على عدم المساس بحق المقاومة.

تقدم حذر

قال الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة:" "إن التطورات الأخيرة في حوارات القاهرة المتعلقة بغزة تشير إلى أن المفاوضات دخلت مرحلة متقدمة مقارنة بالجولات السابقة، لكنها لم تصل بعد إلى نقطة الحسم النهائي، رغم استمرار اللقاءات وتبادل الردود والمقترحات بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء".

وأوضح أبو رحمة، خلال حديثه مع "الاستقلال" أمس الأحد، أن من أبرز المؤشرات الإيجابية استمرار المسار التفاوضي دون انسحاب أي طرف، إلى جانب الحديث عن تفاهمات واسعة في بعض الملفات المرتبطة بإدارة القطاع والترتيبات التنفيذية للمرحلة المقبلة، غير أن ذلك لا يلغي وجود قضايا جوهرية ما تزال تعرقل التوصل إلى اتفاق نهائي.

وأشار إلى أن أبرز هذه الملفات يتمثل في سلاح المقاومة، وطبيعة الترتيبات الأمنية، وصلاحيات الجهة التي ستتولى إدارة غزة في المرحلة الانتقالية، إضافة إلى ملف الانسحاب الإسرائيلي والضمانات الدولية اللازمة لتنفيذ أي اتفاق محتمل.

وفيما يتعلق بالتعديلات التي قدمها المبعوث نيكولاي ملادينوف، رأى أبو رحمة أنها جاءت في إطار محاولة لتقريب وجهات النظر وردم الفجوات بين الأطراف المختلفة، خاصة بعد ردود الفصائل الفلسطينية على "خارطة الطريق" المطروحة، إلا أنه أوضح أن فاعلية هذه التعديلات ما زالت مرهونة بمضمونها العملي على الأرض.

وبيّن أن بعض البنود المتعلقة بالسلاح والترتيبات الأمنية وصلاحيات الإدارة المدنية لا تزال محل خلاف، وهو ما يجعل التعديلات، رغم ما حملته من مرونة نسبية، غير كافية لتجاوز العقد الأساسية، مشيرًا في الوقت ذاته إلى وجود تحسن ملحوظ في الأجواء العامة وتضييق للفجوات مقارنة بالمراحل السابقة.

وعلى صعيد السيناريوهات المحتملة، قدّر أبو رحمة أن السيناريو الأقرب خلال الأسابيع المقبلة يتمثل في التوصل إلى صيغة مرحلية أو إطار تنفيذي لوقف إطلاق النار، بدلاً من اتفاق شامل ونهائي، بما يسمح باستمرار المسار التفاوضي وتطبيق الترتيبات تدريجيًا.

وأضاف أن الأطراف تبدو حريصة على منع انهيار المفاوضات، إلا أن القضايا الأكثر حساسية ما تزال دون حسم، ما يجعل خيار التدرج في الاتفاق هو الأكثر واقعية في المرحلة الحالية، مع إمكانية الانتقال لاحقًا إلى اتفاق أوسع إذا توفرت الضمانات اللازمة.

ويعتقد المحلل السياسي أن المفاوضات تقف حاليًا عند مفترق طرق، إذ تبدو أقرب إلى التقدم منها إلى الانهيار، لكنها لم تحسم بعد الملفات السيادية والأمنية التي ستحدد مستقبل أي تسوية محتملة في قطاع غزة.

حسابات معقدة

قالت الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة إن مسار حوارات القاهرة المتعلقة بغزة لا يزال يراوح مكانه عند نقاط جوهرية، رغم ما يُتداول عن مرونة نسبية من جانب الفصائل الفلسطينية، وخصوصًا حركة حماس، في بعض ملفات الترتيبات ما بعد الحرب، وفي مقدمتها ملف تسليم السلاح.

وأوضحت عودة، خلال حديثها مع "الاستقلال"، أن هذه المرونة تبقى مشروطة بضمانات فلسطينية واضحة، أبرزها الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، إلى جانب التمييز بين أنواع السلاح، مع الحديث عن إمكانية التعامل مع الأسلحة الثقيلة ضمن ترتيبات فلسطينية داخلية، مقابل رفض أي دور لقوات دولية يتجاوز الإشراف والمراقبة إلى التدخل في الشأن الأمني.

وأضافت أن جوهر التعثر في المفاوضات لا يرتبط فقط بتفاصيل تقنية، بل بتباين عميق في المواقف السياسية، حيث تصطدم هذه المقاربات بمحاولة الوساطة الدولية، بما فيها تحركات المبعوث نيكولاي ملادينوف، مع موقف إسرائيلي متشدد يرفض أي صيغة لا تنتهي إلى نزع كامل لسلاح المقاومة، بالتوازي مع الإصرار على عدم الانسحاب من القطاع.

وترى عودة أن هذا التباين يعكس وجود فجوة أساسية في تعريف "التسوية" بين الأطراف، ما يجعل المفاوضات أقرب إلى إدارة صراع طويل الأمد منها إلى مسار تفاوضي حاسم، خصوصًا في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، والتي تُعتبر جزءًا من محاولة فرض وقائع ميدانية تؤثر على موازين التفاوض.

وفيما يتعلق بالحديث عن وصول طلائع من قوات الاستقرار الدولية، رأت عودة أن هذا التطور يعكس وجود مسارات موازية للمفاوضات التقليدية، حيث يجري – وفق تقديرها – التحضير لسيناريوهات ميدانية مسبقة عبر "مجلس السلام"، تشمل احتمال نشر قوات دولية في مناطق محددة داخل القطاع، ضمن ترتيبات انتقالية مرتبطة بالوضع الأمني وإعادة تشكيله.

وعلى الصعيد الإقليمي، أشارت إلى أن إدراج ملف غزة في اجتماع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، الذي عُقد في مصر يوم السبت، يعكس تحول القضية إلى ملف إقليمي ضاغط، إلا أن تأثير هذه التحركات لا يزال محدودًا أمام تعقيدات الميدان وتباين أولويات القوى الدولية، خاصة مع انشغال الولايات المتحدة بملفات أخرى.

وتجزم المحللة السياسية بأن المشهد العام يشير إلى أن المفاوضات لم تصل بعد إلى مرحلة الحسم، بل ما تزال عند "نقطة اختبار" بين إمكانية بناء تسوية سياسية أو الانزلاق نحو مزيد من التصعيد، في ظل غياب توافق حقيقي على أسس الحل.

التعليقات : 0

إضافة تعليق