رأي الاستقلال العدد (1250)
العهد يتجدد من كل فلسطيني سواء في الوطن أو الشتات, ان تبقى فلسطين حاضره في وجدانه لا تغيب, وان يبقى يناضل من اجلها حتى نيل حريته واستقلاله, والوعد ليس وعد بلفور المشئوم بمنح اليهود وطنا قوميا لهم على ارض فلسطين, انه وعد الله لعباده المؤمنين بالنصر والتمكين «فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم, وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة, وليتبروا ما علوا تتبيرا», مائة عام و عام مرت على وعد بلفور ولا زال الفلسطيني يقاوم بالحجر والمقلاع بالسكين وبالبارود وبالصاروخ, فالأرض لا يملك احد ان يمنحها لمن لا يستحق لأنها تنتمي إلى أهلها, ليس بوعد بلفور المشئوم يمكن لليهود ان يعيشوا فوق أرضنا بسلام وأمان, فحقنا في فلسطين من نهرها إلى بحرها قائم حتى قيام الساعة, وسننتزعه انتزاعا من هذا الاحتلال البغيض, حتى لو تلقت «إسرائيل» كل يوم وعدا جديدا من كل دول العالم بحقها في فلسطين, فسيبقى حقنا في مقاومة هذا المحتل المجرم قائماً لن نتنازل عنه أو نفرط فيه حتى نزيلها عن أرضنا, فنحن أصحاب الحق فيها, ولن نقبل ان نتنازل عن شبر واحد منها مهما كان حجم المؤامرات والضغوطات.
لم ينته وعد بلفور ولم يتوقف يوما, فالإدارة الأمريكية منحت «إسرائيل» وعودا لا تقل خطرا عن وعد بلفور المشئوم, وساندتها في القتل والدمار والخراب ومنحتها كل ما يمكن لها ويستنزف الفلسطينيين ويضيع حقوقهم, مستخدمة كل الوسائل الممكنة سواء بمدها بأقوى ترسانة عسكرية, والتعاون معها ومساندتها سياسيا وامنيا واقتصاديا, أو بحمايتها من الملاحقة الجنائية والدولية واستخدام حق النقض الفيتو, والمجتمع الدولي فشل في حماية قراراته وتآمر مع الإدارة الأمريكية على القضية الفلسطينية وتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني وتخاذل عن نصرة شعبنا الفلسطيني كي لا يصطدم بصراع مع الإدارة الأمريكية, ولم يتوقف مسلسل الوعد المشئوم عند هذا الحد, بل شارك بعض الرسميون العرب فيما هو اخطر من وعد بلفور, من خلال توقيع معاهدات سلام مع «إسرائيل» وإقامة علاقات مباشرة معها, واستقبال نتنياهو ووزرائه في العواصم العربية, في نفس الوقت الذي تمارس فيه «إسرائيل» أبشع مجازرها بحق الشعب الفلسطيني, وتتنكر لكل الحقوق الفلسطينية, بلفور ظهر في مسقط مؤخرا بأبشع صوره, وظهر في أبو ظبي برفع العلم الصهيوني هناك واستقبال وزراء صهاينة مجرمين, بلفور ظهر في الدوحة على أنغام نشيد «هتكفا» الإسرائيلي الذي صم الآذان ولوث مسامع العرب, بلفور ظهر في صفقة أجهزة التجسس التي اشترتها السعودية مؤخرا من «إسرائيل» وفي تهافت البحرين على تشجيع التطبيع العربي مع الكيان المجرم, وفي سطوة حاكم موريتانيا الذي تحدى الشعب الموريتاني من اجل علاقات رسمية مع «إسرائيل», انه بلفور اللعين بأشكاله المختلفة وبأبشع صوره, لقد استنسخت «إسرائيل» عشرات الوعود التي هي أسوأ من وعد بلفور, ولا زالت تمضي في سياستها, وتنتج كل يوم وعداً جديداً لصالحها, تمكن فيه لنفسها وتؤسس لكيانها التوسعي برؤيتها الاستعمارية. وحدهم الفلسطينيون عليهم ان يجابهوا بلفور قبل 101 عام, وبلفور في معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل, وبلفور في اتفاقية وادي عربة, وبلفور في أوسلو وملحقاتها, وبلفور في عمان قابوس, ومحمد ابن زايد الإمارات, ومحمد بن سلمان السعودية, بلفور الذي يسكن في مخطط صفقة القرن التي طرحتها الإدارة الأمريكية بكل وقاحة, وتبنتها الأنظمة العربية الرسمية لتعيد تشكيل المنطقة من جديد, برؤية أخرى تستند إلى الاستقواء بالإدارة الأمريكية و»إسرائيل», والتسلح بهما لمواجهة بعضنا البعض, وكأننا أصبحنا غساسنة العصر الجديد الذين يحالفون الروم في العصر الجاهلي ويقتتلون مع المناذرة حلفاء الفرس دفاعا عن الإمبراطورية الرومانية, تشتت جهود العرب وانهارت قواهم وتملكهم الضعف والهوان, وانحازوا لأعدائهم على حساب حقوقهم المسلوبة, فرطوا في كل شيء من اجل كراسيهم, وأصبح وعد بلفور هو السائد والذي يمنح اليهود كل الحقوق لقتل وإبادة وتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه والتنكر لحقوقه المشروعة.
وعد بلفور المشئوم في الثاني من نوفمبر 1917م, كان عنوان للانحياز الدولي والتواطؤ لصالح الكيان الصهيوني المجرم, والثاني من نوفمبر 1994, استشهاد القائد المؤسس الشهيد هاني عابد مدير عام صحيفة «الاستقلال», كان تاريخ استشهاده كان عنوانا لرفض أوسلو وتبعاتها, وبداية مرحلة جديدة من الصراع مع الاحتلال الصهيوني البغيض, فشتان بين الحدثين, فالأول يساوي انحطاطاً وتزييفاً, والثاني يساوي انبعاثاً وتجديداً, وكأن دمك أخي أبا معاذ جاء ليحجب وعد بلفور ويلطخه بالعار, ويفجر براكين ثورة ضد الاحتلال.


التعليقات : 0