رأي الاستقلال (العدد 1252)
كنت أمر بجوار احدى المدارس الابتدائية للبنات عندما أطلقت طائرات الاحتلال الحربية الصهيونية أصواتاً مدوية وصاخبة جدا, سمعت صراخ الطالبات داخل المدرسة وحالة الارتباك بينهن, بعضهن بدأ بالصراخ والبكاء, وأخريات هربن من داخل الفصل الدراسي إلى ساحة المدرسة, والمعلمات يركضن وراءهن ويحاولن تهدئتهن وإذهاب الروع عنهن, وان ما يحدث لا يعدو كونه مجرد أصوات تطلقها الطائرات الحربية الصهيونية لإفزاع الناس, وبعد فترة ليست بالقصيرة هدأت الأوضاع داخل المدرسة, وعادت الأمور إلى طبيعتها.
استوقفني الحدث هذه المرة رغم انه متكرر ومعتاد, وتساءلت عن الغرض من إقدام الاحتلال الصهيوني على مثل هذه الأفعال, وأدركت ان «إسرائيل» لا تستطيع ان تتعايش في أجواء هادئة, فالحياة الطبيعية لا تروق لها, ومجاراة الناس على طبيعتهم والتعايش معهم ليس في قاموسها, وتأكدت ان هذا العدو المجرم يختلف في طبعه عن بقية البشر, لذلك صدق من أطلقوا عليه صفة «أعداء البشرية» فهم يعادون كل كائن بشري على وجه الأرض ويعتبرونهم مجرد عبيد سخروا لخدمة «إسرائيل» وتسهيل أموره الحياتية والمعيشية.
على وقع أقدام الوفد المصري الذي يزور قطاع غزة, وعلى مسامعه وتحت ناظريه يخوض الاحتلال الصهيوني حربا نفسية على الفلسطينيين في قطاع غزة, في أعقاب الحديث عن إمكانية الوصول إلى اتفاق تهدئة, فتارة تشن الطائرات الحربية الصهيونية غارات وهمية على غزة, وتطلق أصواتاً مدوية تساوي أصوات الصواريخ التي انهمرت على قطاع غزة في حرب 2014م, وتارة تقوم بما يسمى مناورات عسكرية في منطقة الغلاف الحدودي مما يخلق حالة من الإرباك لدى الفلسطينيين, وتارة أخرى تنطلق صفارات الإنذار في منطقة الغلاف الحدودي وكأن صواريخ المقاومة انطلقت تجاه المنطقة الحدودية, وهذا يمكن وضعه تحت لافتة عريضة عنوانها الاستهتار والاستهانة واستعراض العضلات لإفشال الجهود المصرية بالوصول إلى اتفاق تهدئة, وكأن هذا الاحتلال يعيش حالة رغبة بين ما يريد وما لا يريد, وكأنه يبقي لنفسه خطوط رجعة, ويندم على أي اتفاق من الممكن ان يوقع عليه مع أي طرف كان, فهو لا يؤمن إلا بسياسة القتل وسفك الدماء, فقد جبل على ذلك وسيبقى يناور في هذه الدائرة. أصوات الانفجارات المدوية التي تطلقها كل يوم الطائرات الحربية الصهيونية في سماء قطاع غزة تهدف للتذكير بقدرة إسرائيل على القصف والتدمير والقتل في أي وقت تشاء, وهى تستهدف المدنيين تحديدا لأن الاحتلال يدرك ان مثل هذه الأفعال لا تردع المقاومة ولا تخيفها, إنما تبقيها دائما في حالة استعداد واستنفار وجهوزية لمواجهة كل الاحتمالات, فالمقاومة الفلسطينية ليس لديها استراحة مقاتل, طالما ان الاحتلال يجثم على صدور شعبنا, ويد المجاهدين على الزناد, وحالة الاستعداد والجهوزية على أتمها, وان كان الاحتلال يتشكك فيما نقول فستثبت له الأيام صحة ذلك, وسيفاجأ بقدرات المقاومة الفلسطينية التي تزداد يوما بعد يوم, ولا يجب عليه ان يراهن طويلا على صبر المقاومة, فصبرها قد ينفذ في أي لحظة, ومثل هذه الأفعال الاستفزازية تستهدف الأطفال والتلاميذ والزهرات في مدارسهم والمواطنين الآمنين في بيوتهم بغرض توتير حياة الغزيين وإرباكهم وزيادة معاناتهم في كل وقت وحين فهذا ديدن الاحتلال وطبيعته على مر العصور.
الشراهة في القتل وسفك الدماء وتعكير صفو الحياة على الناس وإزهاق الأرواح واستلاب الحقوق والسيطرة على المقدرات الاقتصادية والمالية كلها جاءت بنصوص واضحة لليهود فيما يسمى ب «بروتوكولات حكماء صهيون» وهى تمثل عقيدة لهذا الكيان المجرم الذي تحاول بعض الدول العربية أنت تتعايش معه وتتخذه حليفا استراتيجيا للاستقواء على الأعداء, وهذه الدول للأسف لا تدرك أنها ستكون أول ضحاياه, فلا شيء تقدمه إسرائيل «بالمجان», فهي التي حرضت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بان العرب يجب ان يدفعوا ثمن حمايته لهم, وهى بذلك تؤسس لنفسها لأن الزعماء العرب سيدفعون لها أكثر مما يدفعوا لأمريكا الآن, فقط ينتظرون لحظة التمكين لهم داخل العواصم العربية لينقضوا على فريستهم, وكلما اقتربوا من هذا الأمر, شغلهم عنه الفلسطينيون بثوراتهم وانتفاضتهم ومجابهتهم للاحتلال سياسيا وعسكريا, ورغم ذلك يدافع هؤلاء «العربان» عن إسرائيل, ويكبدون الفلسطينيين الثمن الباهظ لأنهم يدافعون عن شرف هذه الأمة ومقدراتها وثرواتها وحريتها واستقلالها, ان اليهود أعداء الأمة والبشرية جمعاء, ولن يروق لهم ان يتعايشوا مع هذا العالم بكل رحابته بسلام, وستبقى إسرائيل بؤرة سرطانية في جسد الأمة جمعاء حيثما تحل سيحل القتل والدمار والخراب فحياتهم لا تطيب إلا بذلك, ويشهد عليهم الماضي والحاضر, وسيشهد عليهم المستقبل ويكشفهم للمخدوعين وأتمنى ألا يكونوا وقتها قد دفعوا الثمن باهظا.


التعليقات : 0