رأي الاستقلال العدد (1356)
لا يكاد يعقد أي مؤتمر رسمي عربي إلا ويفاجئنا مسؤول أو زعيم عربي بتصريحات مؤيدة لإسرائيل وداعمة لسياستها, وكأنه كتب على الجمهور العربي ان يدفع ثمن هذه المواقف السياسية الفاضحة والممجوجة والمستنكرة والمخيبة للآمال رغما عنه رغم أنها لا تعبر عن إرادته وقناعته وموقفه, لكن هناك من يريدها هكذا, أملا في خطب ود «إسرائيل» ورضا الإدارة الأمريكية, وأنا على يقين ان هؤلاء العرب يدركون تماما أنهم لا يعبرون عن مواقف شعوبهم, لكنهم يسترضون أسيادهم لعلهم يحمونهم ويحمون عروشهم ومواقعهم ومناصبهم من حالة اللااستقرار, لذلك هم يدفعون الثمن قبلا, ودون ان يطلب منهم ذلك, إنهم يبادرون لمنح الولاءات والعطايا المجانية للإدارة الأمريكية والاحتلال الصهيوني برغبة وخيار ذاتي, طمعا في كسب الود, وتأمين واستقرار الأوضاع الداخلية في بلدانهم, ومن اجل ذلك مستعدون لكل التنازلات المطلوبة.
وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي طالب في المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في البحر الميت بالأردن الدول العربية بطمأنة «إسرائيل» على مستقبلها وتبديد مخاوفها, ولا ادري هل يمكن لإسرائيل ان تنتظر طمأنة على مستقبلها من دول ضعيفة تعاند مواقف شعوبها وتجافي إرادة الجماهير, أم أنها تنتظر من هذه المواقف ثمناً اكبر بفتح خزائنها ونهب ثرواتها وتغيير ثقافتها ومحو تاريخها وأمجادها, فعلى ما يبدو انه لم يعد هناك أية معايير عربية تحكم العلاقة مع «إسرائيل», ولو كان العرب يستندون إلى معايير في علاقاتهم مع «إسرائيل» لما أقاموا أية علاقات معها, لأنها تمارس كل إشكال العدوان الهمجية على شعبنا الفلسطيني, وتدفع باتجاه تطبيق ما تسمى بصفقة القرن التي تحمل أخطارا كبيرة تهدد الدول العربية, وتحرمها من خيراتها ومقدراتها, لكن الرسميين العرب لا ينظرون إلى مصالحهم بقدر نظرتهم لمصلحة «إسرائيل» وأمريكا.
تصريحات بن علوي تصب في صالح بنيامين نتنياهو الذي يستعد لخوض معركته الانتخابية, ونتنياهو يستخدم تلك التصريحات لإقناع الإسرائيليين بصوابية سياسته, وقدرته على اختراق الجدران الصلبة التي أقامتها الشعوب العربية بين أنظمتها والاحتلال الصهيوني, فقد تعددت اختراقات «إسرائيل» للجدران العربية السميكة وأحدثت فيها تصدعا ملحوظا من خلال مواقف الأنظمة العربية الرسمية, فالبحرين مثلا دعت «إسرائيل» للمشاركة في مؤتمر اقتصادي في المنامة, ورئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو زار مسقط واجتمع بسلطان عمان, ووفد رياضي صهيوني شارك في تجمعات رياضية في أبو ظبي والدوحة وعزف النشيد الإسرائيلي «هتكفا» ورفع العلم الصهيوني في هذه التجمعات, وهناك حالة تهافت عربي للتطبيع مع «إسرائيل» وهو ما أكده نتنياهو وبشر به الإسرائيليين عندما قال ان كل الدول العربية ستقيم معنا علاقات سياسية واقتصادية إلا سورية .
مسلسل التطبيع العربي مع «إسرائيل» ماضٍ بلا معيقات, رغم ان هناك حركات مناهضة للتطبيع مع الاحتلال منتشرة في عدد من الدول العربية ففي الأردن هناك لجنة مقاومة التطبيع المهنية والتي أسست سنة 1994م , وغاز العدو احتلال والتي أسست سنة 2015م, وفي مصر تأسست مجموعة لا للبيع الغاز للكيان الصهيوني 2008م, وفي البحرين الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني 2012م, وفي المغرب المرصد المغربي لمناهضة التطبيع 2010م, وفي موريتانيا الرباط الوطني لمقاومة الاختراق الصهيوني والدفاع عن القدس والعراق 2001م , وهذه كلها تبنت مواقف الشعوب العربية لكنها لم تستطع ان تبني جدار حماية للشعوب من التطبيع مع الاحتلال, فقد واجهتها مجموعات أخرى دعت للتطبيع مع الكيان الصهيوني, وهذه المجموعات تمثل السلطة وهى مدعومة سياسيا وماليا وقانونيا ومنها.
مجموعة هذه هي البحرين التي أنشئت في العام 2017م في دولة البحرين, ومعهد اماديوس في المغرب 2008م, وجمعية الصداقة الامازيغية اليهودية بالمغرب 2007م, وجمعية الصداقة الريفية الإسرائيلية 2008م بالمغرب, والمرصد المغربي لمكافحة السامية 2014م بالمغرب, وائتلاف تامونت امازيغن بالمغرب 2015م, كما ان هناك شخصيات اعتبارية عربية دعت للتطبيع مع «إسرائيل», وبالتالي تشكل تيار يحمي السلطة في خطواتها التطبيعية مع الاحتلال الصهيوني, ويوفر لها غطاء دستوريا للتحرك تجاه «إسرائيل», لذلك فان موقف وزير خارجية البحرين لم يكن ليجرؤ ان يخرج إلى العلن, لولا انه سمح له بالحديث عن التقارب والتطبيع مع «إسرائيل», فنتنياهو داس بقدميه البساط الأحمر في مطار مسقط وكان في استقباله هناك السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان, والبساط الأحمر سيدوسه نتنياهو في عواصم عربية جديدة عما قريب, لكن كل هذا الخذلان العربي سيزيد شعبنا الفلسطيني إصرارا على المضي في طريق الجهاد والمقاومة, والتصدي للهرولة العربية نحو الاحتلال بالصمود والإصرار على انتزاع الحقوق من الاحتلال الصهيوني مهما بلغ حجم الخذلان الرسمي العربي لشعبنا الفلسطيني.


التعليقات : 0