رأي الاستقلال العدد (1360)
مشهد بروتوكولي جديد صنعته السلطة الفلسطينية بتشكيل حكومة فلسطينية جديدة يرأسها الدكتور محمد اشتية, الحكومة الجديدة جاءت لتلعب في الوقت الضائع ليس بغرض تحقيق أهداف يمكنها التخفيف عن شعبنا الفلسطيني وتحقيق آماله وتطلعاته, إنما لزيادة رقعة الانقسام والتنافر بين حركتي فتح وحماس, واستنزاف طاقات شعبنا الفلسطيني في مشاكل حياتية وقضايا هامشية لا يمكن ان تخدم قضيتنا الفلسطينية, أو تدفع باتجاه تحقيق مكاسب سياسية لصالح شعبنا وقضيتنا, فحكومة الدكتور محمد اشتية جاءت لتدير الأمور بعقلية وفكر ونهج وسياسة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس, وجاءت لتلعب دور «المحلل» لكل قراراته التي سيقدم عليها, وهو بالفعل يحتاج لمن يمرر له هذه القرارات لأنه لم يجد شريكا وطنيا فلسطينيا يقبل بقراراته السياسية الفردية والقائمة على مبدأ واحد لا ثاني له «السلام» مع عدو مجرم لا يعترف بالسلام ولا يؤمن به وتتزايد أطماعه كل يوم بسبب سياسة الاستسلام التي ينتهجها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
قد يعتقد البعض أننا نتعجل في الحكم على هذه الحكومة الجديدة, لكننا نقرأ دورها من خلال الظروف التي جاءت بها, فالحكومة هي حكومة فتحاوية بامتياز, وقد استثنت من تشكيلتها أكثر من ثلاثة عشر فصيلا فلسطينيا, ولها مهام محددة كلفها بها رئيس السلطة محمود عباس لا تستطيع ان تخرج عنها, كما أنها تعاني من أوضاع سياسية واقتصادية وداخلية ومالية معقدة وصعبة, وهذا يؤكد على عدم قدرتها تجاوز هذه المشكلات, خاصة ان هذه الأوضاع الصعبة تصطدم بإرادة الإدارة الأمريكية والاحتلال الصهيوني, وتواطؤ المجتمع الدولي, وعجز عربي كبير, وخيار السلام الذي لا بديل عنه, أي أنها أمام تحديات لا يمكن تجاوزها إلا بوحدة الموقف الفلسطيني سياسيا وجغرافيا, ووحدة المشروع الوطني والهدف, الذي يقودنا الى تحقيق الانجاز بكل الطرق الممكنة وليس بطريق السلام فقط, خاصة ان الاحتلال الصهيوني لا يؤمن بالسلام, وان المنطق الذي تقود به الإدارة الأمريكية و «إسرائيل» سياستهما هو منطق القوة والجبروت.
ما الذي يمكن ان تحققه حكومة الدكتور محمد اشتية للفلسطينيين, هل يمكنها ان تنهي الانقسام الفلسطيني وتستجيب للحوار مع الوفد المصري لتطبيق اتفاق المصالحة الذي تم التوقيع عليه مرات عديدة, هل تملك حكومة اشتيه هذا القرار الذي يأتي على غير رغبة رئيس السلطة محمود عباس, وهل يمكنها ان ترفع العقوبات التي تفرضها السلطة الفلسطينية على قطاع غزة, وهل هي قادرة على مواجهة مخططات الاحتلال الهادفة لضم الضفة الغربية, بتفعيل الانتفاضة الشعبية في وجه الاحتلال, وإطلاق يد المقاومة الفلسطينية للتصدي لسياستة العنجهية وإجرام قطعان المستوطنين, هل يمكنها ان تعيد رواتب الشهداء والأسرى والجرحى ورواتب الموظفين المقطوعة من رام الله على خلفية الانتماء السياسي, أم ان هذه الأمور ستبقى معلقة دون أية حلول حتى يضج الغزيون من حماس وينتفضوا في وجهها سعيا لإسقاطها وإعادة السلطة لإدارة شؤون الناس في قطاع غزة, كما يأمل عباس وأجهزته الأمنية التي ترفع له تقارير كاذبة لإدامة الانقسام.
حكومة اشتية الجديدة لم يباركها أي فصيل فلسطيني, ولم يباركها شعبنا بقواه الحية, ولن تحظى هذه الحكومة بأي اهتمام طالما أنها قبلت ان تفرض فرضا على الفلسطينيين, وهذه الحكومة قد تكون مرضية لأمريكا و»إسرائيل» لأنها حكومة هزيلة وضعيفة ومهترئة وليس عليها إجماع فلسطيني, ولكن اشد ما نخشاه ونعمل له ألف حساب ان تمرر ما تسمى بصفقة القرن بحضور هذه الحكومة, وان يتم تطبيق رؤية نتنياهو في قضايا الحل النهائي للقضية الفلسطينية على حساب الضفة الغربية والقدس, وان يمرر مشروع «التوطين» والوطن البديل دون ان تكون هذه الحكومة قادرة على مواجهة تلك التحديات المفصلية والخطيرة, لأن مواجهة هذه المخططات الصهيوامريكية تتطلب وحدة حقيقية, وصلابة في الجبهة الداخلية الفلسطينية, خاصة ان الدول العربية تخلت معظمها عن واجبها في دعم الحقوق الفلسطينية حتى تلك التي أقرتها ما تسمى بالشرعية الدولية, ولم يعد أمام الفلسطينيين إلا الدفاع عن أنفسهم موحدين, والوقوف صفا واحدا في وجه كل المخططات والمؤامرات التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية, بالتأكيد أن هذه الحكومة الجديدة ليست بديلاً لحكومة الوحدة الوطنية وهي بهذه المواصفات مهما كانت مسمياتها ستكون عاجزة عن مواجهة تغول وعدوان الاحتلال بالضفة المحتلة, لذلك ستبقى حكومة اشتيه حكومة شكلية فاقدة لتحقيق الانجاز.


التعليقات : 0