رأي الاستقلال العدد (1642)
بينما كانت فلسطين تشيع شهداءها الاربعة في مواكب تشييع مهيبة, كانت العديد من العواصم العربية والاسلامية تتحرك بمسيرات جماهيرية حاشدة رفضا لما تسمى بصفقة القرن, وتهتف ضد الادارة الامريكية ورئيسها دونالد ترامب, وتهدد وتتوعد «اسرائيل» ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو في حال اقدامه على تنفيذ تفاصيل خطة «صفقة القرن» المشؤومة, خرجت التظاهرات في العواصم عمان, وبيروت والخرطوم, وعمت التظاهرات الاراضي الفلسطينية وخاصة في مدن الضفة المحتلة حيث توجه الفلسطينيون الى نقاط التماس ورشقوا مواقع الاحتلال الصهيوني بالحجارة, وانتشرت اعداد كبيرة من الجيش الصهيوني على مداخل المدن في الضفة وحولتها الى ثكنات منفصلة عن بعضها البعض واقامت العديد من الحواجز العسكرية على الطرقات, وحولت مدينة القدس الى ثكنة عسكرية مغلقة, وباتت الحكومة الصهيونية تقف امام حقيقة واضحة لمرحلة جديدة من المواجهة بينها وبين الشعب الفلسطيني عنوانها العريض ارهاصات انتفاضة جديدة في وجه الاحتلال وثوران الضفة الغربية وموجة عمليات عسكرية ضد اهداف صهيونية في القدس والضفة المحتلة.
المحلل العسكري الصهيوني رون بن يشاي قال ، يجب التفريق بين وضعين، الأول وهو الوضع الحالي الذي يشمل مقاطعة الفلسطينيين للصفقة، وبالتأكيد عدم مشاركتهم بتنفيذها على الأرض, والثاني وهو المستقبلي، الذي قد يقبل الفلسطينيون فيه بالصفقة، ومبادئها، بعد مفاوضات لبحث تفاصيلها، وتنفيذها على الأرض، وخلص للقول أنه «في هذه الحالة، فإن صفقة ترامب لا تغير شيئا من حقيقة الأمر، ومهمة الفلسطينيين الرئيسية الان, احباط صفقة القرن ومنع تطبيقها على ارض الواقع بتغذية الحالة الشعبية الرافضة لها داخليا وخارجيا, وهذا يتطلب مواصلة العمل النضالي بكافة اشكاله لتثوير الشارع الفلسطيني والعربي والاسلامي والعالم الحر, فأول امس الخميس, وامس الجمعة امتدت الاحداث الشعبية الى خارج الاراضي الفلسطينية, ولو تواصلت انتفاضة شعبنا ستمتد اكثر وسيزداد زخمها, فإسرائيل لا زالت تبدو في نظر المواطن العربي دولة باغية وعدواً مركزياً للامة, وهو ينظر اليها على انها خطر يهدد المنطقة برمتها, ولا يتقبل أي مظهر من مظاهر التعايش معها, ويرفض التطبيع معها, لذلك ستبقى اسرائيل تعاني من عزلتها في المنطقة .
الحالة الشعبية الناتجة عن إعلان ما تسمى بصفقة القرن, والتظاهرات التي تشهدها الاراضي الفلسطينية والعواصم العربية, اثرت بالسلب في فرحة ونشوة الامريكان والاسرائيليين بصفقة القرن, ودفعت عراباً متصهيناً كصهر الرئيس الامريكي ترامب المدعو جاريد كوشنير لمهاجمة السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس وتحميله مسؤولية ما اسماه «العنف» الذي تشهده الاراضي الفلسطينية وقال “التقيت عباس أربع مرات خلال إعداد “صفقة القرن” لكنه فضل عدم تجديد اللقاءات معنا. من يريد أن يكون رئيسا لدولة لا يدعو لأيام غضب وللعنف بحال لم يحصل على مبتغاه”. فأمريكا بتولي ترامب لمقاليد الحكم تعيش مرحلة المراهقة السياسية وافتقدت لأدنى معايير الدبلوماسية والنزاهة, سواء بتصريحات السفيرة الامريكية السابقة في الامم المتحدة نيك هيلي التي قالت نحن لا ننتظر موافقة الفلسطينيين على صفقة القرن, او التصريحات المماثلة التي خرجت على لسان المتصهينين فريدمان وكوشنير وغرينبلات وبومبيو ومن قبلهم ترامب, حتى اصبحت صفقة القرن لعنة على ترامب ونتنياهو, وصب الاسرائيليون جام غضبهم عليهما نتيجة تجدد عمليات الدهس والطعن ضد الجنود الصهاينة, وهو ما ينذر بالدخول في موجة مواجهة عنيفة مع الاحتلال الصهيوني.
اول من امس دوى صوت الرصاص من جديد في جنين والقدس, واصيب اربعة عشر جنديا صهيونيا في عملية دهس بالقدس المحتلة, فدب الرعب في قلوب الاسرائيليين, ورغم تطمينات نتنياهو ونفتالي بينت وزير حربه للإسرائيليين, وتوعدهم للمقاومة في غزة, الا ان حالة التشكك في قدرة نتنياهو وبينت على التأثير في المقاومة الفلسطينية تبقى قائمة بقوة لدى الاسرائيليين, ونتنياهو لا زال متهما امام المعارضة انه يصعد ميدانيا ليتجنب اجراء الانتخابات الاسرائيلية في مارس القادم, وان كل نشاطه العسكري يصب لصالح حملته الانتخابية, ويتعرض لانتقادات لاذعة من معارضيه, وهو لا يحصد الا الخسارة ولا يستطيع ان يحسم أي معركة, لذلك يخشى نتنياهو ردة الفعل الإسرائيلية في حال اقدامه على مغامرة عسكرية جديدة في الضفة وغزة, ويقف عاجزا وغير قادر على اتخاذ قرار قد يؤدي الى وضع حد لمستقبله السياسي برمته.


التعليقات : 0