رأي الاستقلال العدد (1668)
بذكاء كبير استغلت القيادة الروسية حالة التنافر بين السلطة الفلسطينية والادارة الامريكية لتعزيز مكانتها في رعاية الملف الفلسطيني والعودة كفاعل مؤثر في المنطقة من خلال اهمية القضية الفلسطينية التي تفرض نفسها على الجميع مهما كان حجم التجاهل الرسمي لها, فالقضية الفلسطينية تتميز بالتفاف الجماهير حولها سواء على مستوى الشعوب العربية او الاسلامية, او احرار العالم الذين ينظرون اليها باهتمام بالغ ويواجهون سياسية الاحتلال القائمة على سفك الدماء وازهاق الارواح, فعندما كان العالم محكوماً بقطبي الاتحاد السوفيتي وامريكا, كان هناك توازن ولو جزئيا في المواقف الدولية تجاه القضية الفلسطينية, وعندما اصبح العالم بقطب اوحد هو امريكا, اصبح الميزان «معوجاً» ومنحازاً تماما للاحتلال الصهيوني الباغي, وغير مبالٍ بالمجتمع الدولي ومؤسساته المختلفة وبقراراته التي تصب في صالح القضية الفلسطينية, لذلك اختارت روسيا الوقت المناسب لاستعادة دورها وتعزيز حضورها في منطقة الشرق الاوسط باستعادتها لدورها في ادارة الملف الفلسطيني, والادلاء بدلوها في القضايا المطروحة, دون ان ننسى ان روسيا لا زالت تدعم «اسرائيل» سياسيا وعسكريا وتكنولوجيا وامنيا بقوة, لكنها في نفس الوقت تلعب على التوازنات, وتتعاطى مع قرارات الشرعية الدولية لمواجهة المواقف السياسية الامريكية الاستفرادية في المنطقة.
دعوة وجهت من روسيا لرئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الاسلامية حماس اسماعيل هنية, واخرى وجهت لأمين عام حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين القائد زياد النخالة, وهذه الدعوات لها دلالتها على المستوى الفلسطيني والعربي والاسلامي والدولي, فحماس والجهاد الاسلامي فرضا نفسيهما من خلال ادائهما النضالي والسياسي على الساحة الفلسطينية, فرئيس حركة حماس اسماعيل هنية قال انه رفض عقد لقاءات سرية مع الادارة الامريكية لأن امريكا تريد ان تمرر سياسات لصالح «اسرائيل», بينما انهت سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الاسلامي جولة مواجهة عسكرية مع الاحتلال الصهيوني, واستطاعت ان تفرض نفسها بقوة على الجميع فهي حركة لا يمكن تجاوزها بسبب قدرتها على المواجهة والتصعيد مع الاحتلال اذا حاول التنصل من التزاماته, فروسيا بحثت عن قيادة حماس والجهاد الاسلامي لتدارس مواقفهما السياسية, وتحديدا موقفهما الرافض قطعيا لما تسمى «بصفقة القرن» التي ترفضها القيادة الروسية, وتعتبرها صفقة فاشلة وغير مستندة على قاعدة دولية او اممية, وانما تستند على رغبة امريكية فقط وتهدف لفرض سياسة الامر الواقع على الفلسطينيين, وغاب عن فكر الادارة الامريكية قدرة الفلسطينيين على تجاوز ازماتهم لمواجهة اخطار الصفقة الملعونة, لقد قرأت موسكو الموقف الفلسطيني جيدا وتساوقت معه.
روسيا تدرك ان معركة الصفقة لم تبدأ بعد, وانه مع بداية التطبيق الفعلي للصفقة فان الامور ستتفجر بشكل كبير في وجه الاحتلال, وربما تشهد المنطقة الشرق اوسطية توترا ايضا بسبب مخطط الاحتلال بتهويد القدس والسيطرة على المسجد الاقصى, ولا تريد موسكو ان تغيب عن هذا المشهد, وترغب بالمشاركة في الاحداث ليس لأجل الفلسطينيين, انما لان لها مصالح في المنطقة وهى تريد ان تحمي مصالحها, وان تستعيد دورها المؤثر في القضية الفلسطينية لأنها خسرت كثيرا عندما تخلت عن هذا الدور, وتركت الفرصة للإدارة الامريكية للاستفراد به, ويبدو انها اصبحت قانعة بان العالم لا يجب ان يديره قطب واحد فذلك يمثل خطرا عليها, واذا كانت الادارة الامريكية تصنف حركتي حماس والجهاد الاسلامي بأنهما منظمتان ارهابيتان, وان قادتهما على قوائم الارهاب ومطلوبون للعدالة, فان هذا لا يعني ان تأخذ موسكو بهذا التصنيف الامريكي الجائر, لان حماس والجهاد حركتان مقاومتان, والقوانين الدولية تعطيهما الحق في الدفاع عن نفسهما وارضهما وشعبهما لانهما تعيشان على ارض محتلة باعتراف الامم المتحدة, كما ان الادارة الامريكية والاحتلال الصهيوني يتنكران لكل الحقوق الفلسطينية, وان اتفاقية اوسلو ومسيرة التسوية «المشؤومة» اصبحت خلف ظهرهما, ومرجعيتهما لأي جولة تفاوض جديدة لا بد ان تستند لما تسمى بصفقة القرن التي فرضتهما الادارة الامريكية, ولم يقبل بها أي فلسطيني, وبالتالي لا يمكن للقيادة الروسية ان تدعم صفقة منحازة بهذا الشكل السافر مع «اسرائيل» وان تقف في وجه الفلسطينيين, لان هذا يفقدها مصداقيتها ومواقفها المستندة لدعم الحقوق الفلسطينية, بما فيها حق تقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف, فهل تفرض موسكو على الفلسطينيين وتحديدا السلطة نفسها كبديل للإدارة الامريكية, وهل تلتقط السلطة هذه الخطوة وتشرع بترتيب البيت الداخلي الفلسطيني لتقوية وتعزيز مواقفها الرافضة لصفقة القرن, نتمنى ذلك! .


التعليقات : 0