رأي الاستقلال العدد (1680)
الفترة التي مرت بها السلطة الفلسطينية في اعقاب طرح الادارة الامريكية لما تسمى «بصفقة القرن» والتي تصاعدت فيها لهجة السلطة وتهديداتها الى حد بعيد, يبدو انها مرت مرور الكرام, دون ان ينتج عنها أي فعل أو اجراء رسمي فلسطيني حقيقي, فبتنا نسمع ضجيجا ولا نرى طحنا, حتى القرارات الشكلية المتدنية التي اتخذتها السلطة كوقف التنسيق الامني مع الاحتلال الصهيوني, ووقف اللقاءات السياسية مع قادة الاحتلال, وترك المجال لإسرائيل لتحمل مسؤولياتها تجاه الفلسطينيين في الضفة المحتلة, وتحمل «اسرائيل» للأعباء الاقتصادية والديمغرافية والامنية , كل هذا التصريحات بقيت مجرد حبر على ورق, ولم يطبق أي منها, وخشي رئيس السلطة من سياسة «الغدر» الصهيونية والامريكية, بعد ان لوح كلاهما عن بديل قد يحل محل رئيس السلطة محمود عباس, والمح لذلك السفير الامريكي لدى «اسرائيل» ديفيد فريدمان عندما قال ان هناك جهات رسمية فلسطينية تتفاوض معنا حول «صفقة القرن» من الابواب الخلفية, فتغير خطاب السلطة فورا, وبدأت تمتص الصدمة وتقدم التطمينات للإدارة الامريكية عبر الوساطات العربية, فمنعت حراك الشارع الفلسطيني في الضفة المحتلة لإسقاط صفقة القرن, واكد رئيس السلطة على موقفه الثابت بإدانة المقاومة التي سماها «ارهاباً», واستمر التنسيق الامني بوتيرة عالية, واستمرت عمليات ملاحقة المقاومين واعتقالهم.
بالأمس فقط التقى وزير المالية في حكومة رام الله شكري بشارة, بوزير المالية الصهيوني المتطرف موشيه كحلون, الذي سطا واستولى على اموال المقاصة الفلسطينية «الضرائب» واحتجزها لديه, ومنعها عن السلطة الفلسطينية, وقال بشارة، خلال لقائه مع وزير المالية الصهيوني ان اللقاء يأتي لبحث المعطيات الاقتصادية في ظل تفشي فيروس «كورونا»، وأن المبالغ المحتجزة لدى «اسرائيل» هي حق للشعب الفلسطيني، وستساهم في مساعدة الخزينة في تبني الإجراءات الصحية الفضلى لمواجهة هذا التحدي, وطالب بالإفراج عن كامل المبالغ المحتجزة لدى الطرف الإسرائيلي منذ العام المنصرم، كضرورة قصوى في ظل الظروف الراهنة, فهل سيصدق احد ان اسرائيل ستقوم بإعادة هذه الاموال المنهوبة الى السلطة بلا ثمن؟, وهل تراهن السلطة على اخلاقية هذا الكيان المجرم وتعاطفه مع الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لتفشي وباء كورونا في الضفة المحتلة, وانه سيمد يد العون الى السلطة؟, ام ان السلطة بدأت تتعقل وتراجع سياساتها وتدخل مرحلة التخلي عن الخطاب «العنتري» تجاه «اسرائيل» بعد ان قدمت لها الدول العربية النصائح بالتعامل مع «صفقة القرن» حتى لا تضيع السلطة نفسها كما ضيعت قضيتها, وان تحتكم الى لغة العقل والمنطق ولا تنساق وراء الشعب وفصائل المقاومة, وانها ستعاني من ازمات كبيرة, وستطالها رياح التغيير الامريكية التي تعصف في المنطقة برمتها, وستنال منها ان لم تتعقل وتعود الى الحظيرة الامريكية طوعا, او ستعود اليها كرها.
بشارة يستجدي «اسرائيل» ويطمع ان تستجيب لتوسلاته, لكنه يحمل في جعبته كومة تنازلات جديدة من السلطة لصالح الاحتلال والادارة الامريكية, فكل شيء من الممكن ان يخضع للتفاوض والنقاش, حتى صفقة القرن يمكن مناقشتها, ويبدو ان السلطة تراهن على نجاح زعيم ازرق ابيض بيني غانتس في تشكيل الحكومة الصهيونية الجديدة بعد ان دفعت القائمة العربية المشتركة للتحالف معه, وهى تظن وتتوهم ان حكومة جديدة دون نتنياهو ستحل المشكلة وتعيد الامور الى نصابها مجددا, لكن غانتس المأزوم لا يختلف موقفه السياسي مطلقا عن موقف نتنياهو, وربما يكون اشد تعقيدا, فحكومة الاقلية التي ينوي تشكيلها ان نجح في ذلك, وهذا بعيد المنال, لن تمنحه القدرة على اتخاذ مواقف مصيرية, خاصة بعد القفزة النوعية التي انتزعها نتنياهو من الادارة الامريكية وتبني ترامب «لصفقة القرن» الصهيونية, فغانتس لا يملك التخلي عن الصفقة لأنه ان فعل ذلك سيدفع ثمنا باهظا, وغانتس لا يملك حتى ان يسمح بإجراء نقاش مع السلطة حول الصفقة, او التراجع عن أي من مضامينها, لان الادارة الامريكية اوصت ان صفقة القرن غير خاضعة للتفاوض, وان السلطة مطالبة ان تقبل بها كما هى دون أي تعديل, فالواضح تماما ان الافراج عن اموال المقاصة المحتجزة لدى الاحتلال مرهون بتنازلات كبيرة ومؤلمة من السلطة, فان حدث العكس وافرجت «اسرائيل» عن اموال المقاصة فيقينا ان هناك ثمناً لذلك, وهذا الثمن على حساب قضيتنا وشعبنا وثوابتنا, ونحن على يقين ان «اسرائيل» لا تقدم شيئاً مجانا, انما تنتزع منها الحقوق انتزاعا, ويقينا لن تعيد كورونا اموال المقاصة للسلطة الفلسطينية.


التعليقات : 0