رأي الاستقلال العدد (1722)
يبدو ان العالم العربي اختار لنفسه ان يلعب دور المشاهد فقط, ووضع نفسه في دائرة العجز وقلة الحيلة, فحالة الاستسلام وانتظار الاغاثة من الاخرين اصبحت سمة في عالمنا العربي المحكوم بسياسات تقوض تماما من مجالات الابداع, رغم ان العرب هم الذين ورثوا العالم اعظم حضارة عرفتها البشرية جمعاء, حضارة مبنية على القيم والمبادئ والاخلاق الحميدة, وليست مجرد حضارة مادية فقط, لذلك لا زالت الحضارة الاسلامية قائمة رغم مرور اكثر من 1400 عام عليها, ولا زالت الحضارة الاسلامية هي المغذي الرئيسي والاساسي لكل الحضارات المادية التي تلتها, ولا يمكن للحضارة الاسلامية ان تزول وتنتهي مهما حاول البعض طمس معالمها, والالتفاف على انجازاتها, والتخلص من مبادئها, فهي حضارة انسانية واخلاقية قامت لأجل خدمة الانسان واسعاده وتخفيف الاعباء عن البشرية جمعاء, وحل الكثير من الاشكاليات التي تواجه البشر.
اليوم وامام جائحة كورونا يقف العالم العربي عاجزا عن فعل شيء لمواجهة وباء كورونا المستشري, فقد ارتفع عدد المصابين بهذا الوباء إلى ما يقارب الثلاثة ملايين حالة حتى صباح امس الاثنين, وأظهرت بيانات منصة "وورلد ميترز"، الدولية المتخصصة في الإحصائيات، أن إجمالي عدد الإصابات حول العالم بلغ نحو مليونين و995 ألفا , كما أظهرت البيانات أن عدد المتعافين تجاوز 881 ألف حالة, وأشارت أيضا إلى أن عدد الوفيات ارتفع ليتجاوز 207 آلاف, امام هذا الموت تتجه انظار العالم العربي الى الصين وامريكا والمانيا وفرنسا وغيرها من الدول الاوروبية لعلها تصل الى ايجاد لقاح لعلاج هذا الوباء والسيطرة عليه, دون ان تبذل أي جهد ولو شكليا للبحث عن حلول لهذه الازمة, فهي الحقت نفسها بالتبعية للغرب والادارة الامريكية, رغم ان هناك كوادر وخبراء من الاطباء والعلماء قادرين على مواجهة خطر الوباء والتعامل معه لكنهم مغيبون.
خطر وباء كورونا لا يقتصر فقط على الخسائر البشرية, انما يلتحق به اخطار اقتصادية خطيرة جدا قد تغير من ميزان القوى الاقتصادية في العالم, وبعض الدول العربية ضعيفة اقتصاديا, وهناك اقتصاد منهار تماما في بعضها, حتى دول الخليج تعاني من انهيار حاد في ميزانها الاقتصادي, واضطرت لتقديم دعم مالي لبعض الشركات التي اعلنت افلاسها , فقطر قررت تقديم 75 مليار ريال (أكثر من 20 مليار دولار) حوافز مالية للقطاع الخاص، والسعودية اعدت حزمة بقيمة 50 مليار ريال (13 مليار دولار) لمساعدة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على مواجهة الآثار الاقتصادية لتفشي فيروس كورونا, اما الإمارات فخصصت حزمة بقيمة 27 مليار دولار لاحتواء تداعيات تفشي الفيروس, وتبقى هذه كلها حلول مؤقتة, طالما استمر فيروس كورونا, ولن تستطيع هذه الدول وغيرها ابقاء هذا الدعم, فالحل يكمن في القضاء على الوباء وليس التعامل معه.
قد يقول قائل ان دول عظمى لم تستطع التغلب على هذا الوباء وايجاد لقاح علاجي له, وتتعرض لخسائر اقتصادية مثل باقي الدول العربية, والخسائر البشرية لديها اكبر بكثير من الخسائر البشرية في الدول العربية, ونحن هنا نتحدث عن حالة الاستسلام والركون والتبعية لأمريكا والغرب, فنحن في الدول العربية لدينا عقول يمكن ان تبدع وتوجد حلولا للازمات, لكننا تعودنا ان يأتينا الحل من الاخر وليس من انفسنا, وهذا بحد ذاته يمثل انتكاسة كبيرة للدول العربية التي لا تثق في قدرات خبرائها وعلمائها واطبائها, ولا توفر مراكز للبحث العلمي, وتنتظر دائما الحلول من الخارج, نريد لعالمنا العربي أن يتخلص من هذه التبعية للغرب والادارة الامريكية في ظل جائحة كورونا, خاصة ان الدول الاوروبية وامريكا تتبع سياسة الانطواء على نفسها لحل ازماتها في ظل تفشي الوباء عالميا, فأمريكا تخلت عن الدول الاوروبية, والدول الاوروبية تخلت عن العلاقة فيما بينها, ولن تكون الدول العربية اغلى عند الادارة الامريكية من الدول الاوروبية, وكذلك لن تكون اغلى عند الدول الاوروبية التي تخلت عن العلاقة المشتركة فيما بينها.
نحن نبحث عن قوة عربية عسكرية وعلمية وثقافية واقتصادية متماسكة ومستقلة بنفسها, لمجابهة الاخطار والتحديات بعيدا عن التبعية لأحد, وهذا بالتأكيد لن يأتي في يوم وليلة, لكن جائحة كورونا توجب علينا نحن العرب والمسلمين ان نعيد تفكيرنا من جديد, ونؤسس لعالم ما بعد الكورونا الذي يتوقعه الجميع, نريد ان نخرج من دور المشاهد وندخل في دور الفاعل الحقيقي المؤثر والذي يجعل مصيره بيده لا بيد الاخرين .


التعليقات : 0