رأي الاستقلال العدد (1854)
في الوقت الذي يتمدد فيه وباء كورونا وينتشر في كل دول العالم الى حد خطير, تنبعث رائحة وباء عربي اكثر خطرا على الامة العربية والاسلامية والشعب الفلسطيني وقضيته, انه وباء التطبيع والتحالف بين بعض الدول العربية والكيان الصهيوني المجرم, ذلك الوباء الذي بدء ينتشر ويتمدد ويلقي بظلاله وهمومه واوجاعه على شعبنا, خطورة وباء التطبيع فاقت كل تصور وحد, فقد تجند نفر ممن يدعون الوطنية والثقافة ويمارسون السياسة المؤدلجة لتبرير جريمة التطبيع والدفاع عن الخطوة الاماراتية والبحرينية, ليس هذا فحسب انما يفرشون بساط التطبيع لتدوسه دول اخرى كعمان والسودان وموريتانيا والمغرب وغيرها من الدول, ومبررهم ان الفلسطينيين اصحاب القضية اول من طبع مع الاحتلال ووقع على اتفاقية اوسلو المشؤومة, ولا نريد ولا نرغب ان نكون ملكيين اكثر من الملك نفسه, وكأن الفلسطينيين لا يقاتلون ولم تشن عليهم حروبا ثلاث, ولم يضيق عليهم الخناق اسرائيليا وامريكيا وعربيا واسلاميا ودوليا ليساقوا سوقا الى حظيرة التطبيع, ومن انساق منهم الى توقيع اتفاقيات مع الاحتلال لا يمكن ان يمثل الكل الفلسطيني, فمقاومة شعبنا بكل اشكالها لم تتوقف, ومسيرة التسوية لن تكون يوما خيار شعبنا لأننا ندرك مآلاتها, ونعلم اننا سندفع ثمن هذه المسيرة المشؤومة من تضحيات شعبنا ومن حقوقه وتطلعاته, وهى ستعطي ذريعة "مرغوبة" عربيا لتبرير مسار التطبيع مع الاحتلال الصهيوني, رغم ان جريمة التسوية لا تجابه بجريمة تطبيع كما يفعل البعض لكنها الحجة التي يستندون اليها لتبرير جريمتهم, وهم يتحدثون عن الواقعية وان "اسرائيل" امر واقع لا يمكن تجاهله.
التطبيع العلني بين دول عربية والكيان الصهيوني ليس جديدا, واتفق مع من قالوا بأنه ليس مفاجئا, لكن ما فاجئني هو تجنيد هذا الكم من الناس للدفاع عن التطبيع والمساحة التي تفردها بعض الفضائيات الرسمية والخاصة لتسويق التطبيع مع الاحتلال وابراز صورة ومصطلحات شاذة لا يتقبلها العقل العربي, فان تجد رجلا برتبة وزير اردني كصالح القلاب يخرج على فضائية العربية ليتحاور مع الصحفي الاسرائيلي شلومو غانور ويخاطبه بلغة اخي شلومو غانور انا اعرفك جيدا واعرف مواقفك المؤيدة للسلام وانه حان الوقت لإحلال السلام بيننا كإسرائيليين وعرب" ثم تضخ مواد اعلامية لشخصيات خليجية برتبة "شيخ" او برتبة "سياسي" او "مدون مأجور" لتشويه صورة الفلسطينيين, واختلاق الاكاذيب والقصص الوهمية حتى وصل التحريض لحد الطلب من الحكومات العربية طرد الفلسطينيين العاملين والمقيمين في بلدانهم, فالتمهيد لموضوع التطبيع والتحالف العربي مع الاحتلال الصهيوني معد له منذ سنوات, فهناك من المجندين لحمايته واختلاق المبررات له رغم كل الآثام والموبقات التي يحملها, كما ان الجامعة العربية لعبت دورا كبيرا في حماية الدول المطبعة والمتحالفة مع الكيان الصهيوني, ورفضت مشروع قرار للسلطة الفلسطينية يدين التطبيع, بل واسست الى عمليات تطبيع جديدة قد تقدم عليها المزيد من الدول العربية وسعت بايعاز من المملكة العربية السعودية لإسقاط ما تسمى "بالمبادرة العربية" لإفساح المجال للسعودية كي تقيم تحالفا مع "اسرائيل" مهد اليه شيوخ الحرمين وبعض الساسة والاعلاميين, ولولا ان السلطة هددت بالانسحاب من الجامعة العربية لتم اسقاط ما تسمى "بالمبادرة العربية" التي تتمسك بها السلطة ويرفضها الفلسطينيون .
ان الوباء الرسمي العربي يستشري ويكاد يفتك بوحدة الامة ومواقفها الثابتة والراسخة, فهل يمكن ان تتغير العقلية العربية الى الحد الذي تعتبر فيه ان فلسطين باتت عبئا ثقيلا عليها يجب الخلاص منه, والى الحد الذي يمكن فيه اعتبار "اسرائيل" حليفا استراتيجيا وشريكا يحمى مصالح الامة ويدافع عن كيانها ومصالحها, والى الحد الذي يدفعها الى البحث عن اعداء جدد غير "اسرائيل" رغم ان "اسرائيل" هي التي تحتل الارض والمقدسات وتسفك الدماء وتزهق الارواح, لذلك فان حالة العداء لإسرائيل هي حالة فطرية لا يمكن ان تتغير بين لحظة واخرى, ونحن على يقين ان كل من يسعى للتسويق لإسرائيل ومد البساط لها سيفشل كما فشل من سبقوه, فلا تغرنكم حالة الصمت التي يعيشها الشارع العربي اليوم, فأنتم تعبثون بمصائركم وقد تنفجر الامور في وجوهكم في اية لحظة, وساعتها لن تنفعكم "اسرائيل" التي لا تستطيع ان تحمي نفسها, وسرعان ما ستتخلى عنكم, ان الانظمة العربية تبني جدرانا عالية بينها وبين الشعوب كرمى "لاسرائيل", وسيأتي الوقت الذي ستنهار فيه هذه الجدران فوق رؤوس تلك الانظمة المهترئة, وساعتها لن ينفعكم الندم.


التعليقات : 0