رأي الاستقلال العدد (1904)
التبعية الرسمية العربية للإدارة الامريكية جعلت الكثير من الرسميين العرب وزعماء العالم الاسلامي يضعون ايديهم على قلوبهم منتظرين نتائج الانتخابات الامريكية, فمنهم من يخشى سقوط ترامب في الانتخابات بعد ان تورط في مستنقع التطبيع والعمالة مع الكيان الصهيوني الى حد الثمالة, ومنهم من ينتظر نجاح جو بايدن في الانتخابات وقيادة البيت الابيض ويحدث ذلك انفراجه ولو بسيطة في العديد من الملفات الشائكة, وبين من يخشون من سقوط ترامب ونجاح بايدن تكمن الكثير من التحولات التي قد تشهدها الساحة الشرق اوسطية, فالتبعية التي طالما حذرنا منها ولا زلنا, اصبحت تلقي بظلالها على كل الاحداث في المنطقة, وقد تشهد تحولات في المواقف السياسية والولاءات, رغم ان بايدن لا يختلف كثيرا عن ترامب فكلاهما تربطهما علاقة تحالف وطيدة مع الكيان الصهيوني, ويجمعان على قوة اسرائيل وسيادتها في المنطقة.
السلطة الفلسطينية متحمسة لفوز بايدن بالانتخابات لان هذا سيعيدها الى مربع المفاوضات مجددا وفق القواعد التي تتمسك بها السلطة كحل الدولتين, والقدس الشرقية كعاصمة للكيان الصهيوني, ورفض مخطط الضم, فالسلطة على قناعة ان بايدن سيعيد صياغة هذه الملفات مجددا, وقد يقدم على اعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن, وتعيد الادارة الامريكية ضخ المساعدات المالية للسلطة والأونروا والمنظمات الأهلية, وهذا من شأنه ان يحل الكثير من الاشكاليات المالية والاقتصادية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية.
في المقابل هل يكون ذلك على حساب المصالحة الفلسطينية, والعودة الى مربع الانقسام الاول مجددا, واعتبار مؤتمر رام الله بيروت كأنه لم يكن, وهل تبقى لغة بايدن ومواقفه السياسية ثابتة لا تتغير, ام ان الخطاب السياسي اثناء فترة الانتخابات يختلف تماما بعدها, وهل يمكن للسلطة الفلسطينية ان تراهن على مواقف بايدن, وكيف سيتعامل بايدن مع السعودية وملف خاشقجي الذي وجه فيه انتقادات كبيرة لمنافسه على الرئاسة دونالد ترامب , وكيف سيتعامل مع الملف النووي الايراني وهل سيعيد تفعيل الاتفاق كما وعد , وهل ستبقى مواقفه متصلبة تجاه تركيا والرئيس رجب طيب اردوغان, السياسات تتغير بتغير اللحظة, وبايدن في حال فوزه ليس اقل حدة او خطرا من ترامب, الاختلاف في الاسلوب فقط, اما الاساسات فتبقى قائمة على قواعد متينة .
اما دونالد ترامب والذي يمثل املا كبيرا "لإسرائيل" والامارات والبحرين والسعودية والسودان وعديد الدول العربية, فان فوزه سيمثل حالة ارتياح كبيرة لدى هذه الدول "التبعية", ويدفعها لتعزيز خطواتها التطبيعية مع "اسرائيل" وزيادة اوجه التعاون والتنسيق بينها وبين "اسرائيل" تحت المظلة الامريكية, وربما يظهر تحالف امريكي اسرائيلي عربي, لمواجهة دول في المنطقة تطالب الدول العربية بازالتها واضعافها واشغالها بمشكلاتها الداخلية وزعزعة استقرارها, حتى تضمن سلامتها وقدرتها على قيادة شعوبها بالقوة والتغلب, فهذه الدول ربطت مصيرها وباعت مواقفها السياسية لتوطيد اواصر حكمها واستقرار اوضاعها الداخلية وتمايزها العسكري النوعي على حساب دول الجوار, ظنا منها ان هذا سيردع "اعدائها" ويخيفهم.
التبعية العربية والاسلامية للادارة الامريكية تثبت النظرية التي حذرنا منها دائما, انه لا رهان على قوى خارجية, لأنه لا احد سيحميك دون ان تدفع الثمن اضعافا مضاعفة, فما يضمن امن واستقرار البلاد هو الانحياز الى الشعوب والتحصن بها, واستغلال الثروات البشرية والطبيعية والصناعية والزراعية, بحيث تمتلك عوامل قوتك بيديك وليس بيد اعدائك, وذلك من خلال ارساء سياسة العدل وارساء قواعد حرية الرأي والتعبير, وتقبل الرأي والرأي الاخر, والتحرر من كل القيود التي تعيق التقدم والازدهار داخل البلاد, فالعرب ارتضوا بالتبعية للغير لانهم فرطوا في كل شيء, وفقدوا عناصر القوة بأيديهم, ووسعوا الفجوة بينهم وبين شعوبهم الى حد بعيد, وهو للأسف لا يثقون في قدرات الشعوب ولا في عطائها, لكنهم يثقون في اعداء الامة وقوى الشر.
الاهتمام العربي بالانتخابات الامريكية يدل على ان هناك فجوة لا زالت تكبر بين الحكام العرب والشعوب, فالحكام العرب يدفعون تجاه فوز ترامب بالانتخابات الامريكية لأنه يعزز الدكتاتوريات داخل الدول, ويقف في صف الحكام المستبدين على حساب الشعوب, وترغب الشعوب في فوز بايدن بناءا على خطاباته ووعوداته اثناء حملته الانتخابية, فالشعوب مخيرة بين شرين, شر كبير يظهره ترامب, وشر خفي يظهره بايدن, فانحازوا الى الشر الخفي أملين ان تخيب ظنونهم ويخفف عنهم جو بايدن شيئا من سطوة ترامب الفجة ضد ارادتهم, لكنهم في النهاية يدركون ان امريكا شر, وهى ترعى الشر متمثلا "بإسرائيل".


التعليقات : 0