رأي الاستقلال العدد (1136)

نكبة مايو الأمريكية

نكبة مايو الأمريكية
رأي الاستقلال

رأي الاستقلال العدد (1136)

حددت الإدارة الأمريكية مايو المقبل موعدا لنقل سفارتها إلى مدينة القدس المحتلة, وهو ما يتزامن مع ذكرى  نكبة فلسطين واحتلالها من قبل عصابات الإجرام الصهيونية, وكأن الموعد قد تم التخطيط له عن قصد بين الإدارة الأمريكية والاحتلال الصهيوني, بغرض قهر العرب والمسلمين والفلسطينيين تحديدا, وكأن الإدارة الأمريكية تمارس سياستها المنحازة للاحتلال الصهيوني بأسلوب فج وعميق, يوحي بأنها مستمرة في دعم هذا الكيان المجرم بشكل لا محدود, وماضية في التمكين له, وفرضه على المنطقة كقوة أحادية متفردة على الجميع ان يسعى للتعامل معها وكسب ودها, حتى لا تطاله العقوبات الأمريكية ويناله منها نصيب.

 

نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة حدث خطير, ويمهد لما بعده, ويُمكًن للاحتلال الصهيوني, وفيه تحد لقرارات المجتمع الدولي وقوانينه, فعندما أعلنت الإدارة الأمريكية عن نقل سفارتها إلى القدس, تركت لنفسها «خط رجعه» خوفا من حراك عربي وإسلامي قوي لمواجهة هذا القرار, لكن ردة الفعل العربية والإسلامية رسميا وشعبيا جاءت ضعيفة ولحظية ومخيبة للآمال, لذلك أقدمت على خطوتها التالية التي كانت تخشى الإعلان عنها سابقا, وهى تحديد موعد لنقل سفارتها إلى القدس المحتلة مستندة لمعايير عديدة منها.

 

أولا: حالة العجز الرسمي والشعبي على المستوى العربي والإسلامي في مواجهة قرار الإدارة الأمريكية الذي كانت تخشاه, ولم تجرؤ على تطبيقه طوال السنوات الماضية, وأصبح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتباهى بأنه الرئيس الأمريكي الوحيد الذي وعد بنقل السفارة للقدس وأوفى بوعده.

 

ثانيا: موقف السلطة الفلسطينية كان ضعيفا وفرديا ومأزوما في التعامل مع القرار الأمريكي, فالسلطة ورئيسها لم تخرج من عباءة السلام, واستمرت في تقديم التنازلات للاحتلال الصهيوني حيث ظهر ذلك في خطاب رئيس السلطة محمود عباس أمام مجلس الآمن, ورغم ذلك رفضت الإدارة الأمريكية هذه التنازلات, ودعت للانصياع طوعا أو كرها لقراراتها التي لن تتراجع عنها أبدا حسب مندوبة الإدارة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هيلي. 

 

ثالثا: عدم قدرة المجتمع الدولي وخصوصا الدول العظمى على مواجهة السياسة الأمريكية التي تحدت قرارات الشرعية الدولية وقامت بشطبها تماما بجرة قلم, حيث خابت آمال السلطة الفلسطينية في إفشال قرار ترامب عبر مؤسسات الأمم المتحدة, وبقى المجتمع الدولي يصفق لرئيس السلطة فقط على إصراره على التمسك بما تسمى مسيرة التسوية رغم التنكر لكل الحقوق الفلسطينية إسرائيليا وأمريكيا,

 

رابعا: ان العديد من الدول العربية على المستوى الرسمي أيد الخطوة الأمريكية وباركها, واعتبر «إسرائيل» حليفا قويا في المنطقة يمكن الاستفادة منه لمواجهة خطر «أكبر» حسب وجهة نظرهم, ومارس ضغوطات على السلطة الفلسطينية بأشكال مختلفة ومتعددة, لإجبارها على القبول «بابو ديس» أو «رام الله» كعاصمة لفلسطين, والقبول بما تسمى بصفقة القرن, التي تعني وضع المنطقة العربية برمتها في حضن الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني, والتسليم تماما لأطماعهما في المنطقة. 

 

خامسا: استغلت الإدارة الأمريكية انشغال الدول العربية بأوضاعها الداخلية المضطربة, وأزماتها الاقتصادية المتلاحقة, والصراع الدائر على السلطة لتمرير مخططها حول القدس, وتحديد موعد نقل السفارة الأمريكية إليها, فهذا هو الوقت المثالي بالنسبة لها لتمرير مخططاتها وترسيخ سياساتها في المنطقة والإمساك بزمام الأمور بيدها  وتطويع الجميع لخدمة أهدافها. 

 

الأمة العربية والإسلامية تتحمل وزر قرار ترامب حول القدس باعتبارها عاصمة موحدة للكيان الصهيوني, وتتحمل وزر نقل السفارة الأمريكية إليها, وتتحمل وزر دعوة «إسرائيل» والإدارة الأمريكية لدول العالم باتخاذ نفس الخطوة ونقل سفاراتها إلى مدينة القدس باعتبارها عاصمة «إسرائيل», فالصامت العاجز كالشيطان الأخرس لا يمكن ان يحميه صمته وعجزه من حمل هذا الإثم الكبير, انه عار يلحق بالأمة, ومن لا يدرك انه مطالب بالخروج والتظاهر في العواصم لمواجهة هذا القرار الجائر فان فهمه قاصر, وإدراكه للأمور ضعيف, لأن ما يترتب على هذا القرار الأمريكي خطير جدا, وينذر بما هو اكبر وأعظم, ليس في فلسطين فحسب, إنما في كل دول المنطقة كلها, فلا تتوارثوا الضعف والوهن عن قياداتكم التي تحكمكم, واخرجوا لتقولوا لا لصفقة القرن, لا لإهداء القدس «لإسرائيل», لا لنقلا السفارة الأمريكية للقدس, لا تتركوا الشعب الفلسطيني وحده يدافع عن شرف الأمة, كونوا عونا حقيقيا له وهو يدافع عنكم وعن بلادكم, فأمريكا و»إسرائيل» لن تتوقفا عن إطماعهما إلا إذا أوقفتموهما انتم بانتفاضتكم وثورتكم ضدهما.         

  

التعليقات : 0

إضافة تعليق