رأي الاستقلال العدد (1137)

في طي الكتمان

في طي الكتمان
رأي الاستقلال

رأي الاستقلال العدد (1137)

بعد ان كانت أخبار المصالحة الفلسطينية حاضرة بقوة عبر وسائل الإعلام المختلفة, والمساحات الإعلامية تفرد للتحليل والمقالات والسبق الصحفي, باتت المصالحة الفلسطينية اليوم في طي الكتمان, والأخبار التي تتحدث عن جلسات المصالحة لا تتجاوز العناوين والمانشتات العابرة, ولدقائق معدودة فقط عبر الفضائيات الإخبارية, وذلك رغم وجود وفد رفيع وعالي المستوى لحركة حماس في القاهرة منذ نحو أسبوعين, ووجود وفد امني مصري في غزة, ووصول وزراء من رام الله للجلوس مع الوفد المصري, ووصول عزام الأحمد في زيارات خاطفة وسريعة لمصر حيث ينقل رسائل «مجهولة» لرئيس السلطة محمود عباس, ويأتي بردود عليها, والوفد المصري في غزة يجتمع مع مسؤول حركة حماس في القطاع يحي السنوار لمدة ثلاث ساعات, وكل هذا يحدث ووسائل الإعلام المختلفة مغيبة تماما عما يدور في الجلسات المغلقة.

 

قد يقول قائل ان التقصير من وسائل الإعلام المنوط بها البحث عن الخبر وكشف المستور واختراق كل الحواجز لأجل الوصول إلى المعلومة الصحيحة, وهذا الكلام صحيح ومقبول ولكن هناك عدة عوامل ساهمت في الوصول إلى هذا الحالة من اللامبالاة في متابعة أخبار المصالحة والاهتمام بها, فقد كنت استمعت لمجموعة من اكبر المحللين والكتاب في قطاع غزة حول توقعاتهم عن فرص نجاح المصالحة الفلسطينية, فأكدوا جميعا أنها ضئيلة جدا, وبالتالي أصبحت هناك قناعة لدى جهات عدة ان المصالحة «مستحيلة» ولا يمكن لطرفي الانقسام ان يتوافقا حول المواقف, خاصة ان كل طرف يتمسك بشروطه, لذلك سادت حالة من الفتور في التعامل الإعلامي مع أخبار المصالحة, وأصبح الشعب الفلسطيني يراها مضيعة للوقت, واستنفاذاً للجهود, وتشتيتاً للأذهان عما يحيكه الاحتلال والإدارة الأمريكية من مخططات للقضية الفلسطينية.

 

نعم المصالحة في طي الكتمان بإرادة طرفيها وبإرادة الراعي المصري وبفتور وعدم حماسة من وسائل الإعلام والشعب الفلسطيني والأسباب نعددها في نقاط كي يسهل الوقوف عليها ومحاولة معالجتها.

 

أولا: المصالحة الفلسطينية أخذت وقتا طويلا في التحاور والنقاش, وكلما بشرنا شعبنا بها وأنها في مراحلها الأخيرة, عادت إلى المربع الأول من جديد, وهذا خلق حالة من اليأس والإحباط والتشكك لدى الجماهير الفلسطينية بإمكانية نجاحها.

 

ثانيا: سبق ان تم التوافق على المصالحة الفلسطينية مرات عدة في مكة والقاهرة والشاطئ وغيرها, ولكن عند التطبيق العملي لبنود المصالحة كانت تتعرض لانتكاسة جديدة وتعود لنقطة الصفر وتنعكس نتائجها سلبا على شعبنا الفلسطيني.

 

ثالثا: السلطة الفلسطينية تسير في اتجاه «السلام», وحركة حماس تمضي في اتجاه آخر (المقاومة), وهناك عقبات تبرز بقوة لا يمكن ان توضع حلول وسط لها, كسلاح المقاومة مثلا الذي تصر السلطة على تسلمه, «وخيار السلام «الذي لا بديل عنه, وتجريم السلطة الفلسطينية للعمليات الفدائية ضد الاحتلال.

 

رابعا: المصالحة ليست خيارا فلسطينيا ثنائيا, بل ان هناك جهات خارجية حددت مسار المصالحة الفلسطينية بأن تصب باتجاه ما تسمى عملية «السلام» وفق الرؤية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة, وان تتنازل حماس عن ثوابتها وثوابت الشعب الفلسطيني لأجل إنجاح المصالحة, وتتخلى عن «الإرهاب», وتقبل بالحلول المجتزأة وتعزز فرص «السلام» بمفهومه الأمريكي الصهيوني وتقبل به كخيار وحيد لا بديل عنه.

 

خامسا: تحولت المصالحة لورقة ضغط بيد السلطة الفلسطينية, فأحيانا تضغط بها على «إسرائيل» لأجل الجلوس على طاولة المفاوضات, وأحيانا أخرى تضغط بها على حركة حماس للقبول والتسليم التام بشروط السلطة الفلسطينية لإتمام المصالحة, كما تضغط بها على الغزيين للخروج لمواجهة حماس ورفض حكمها في غزة والعمل على إسقاطها, وهذا ابرز ما تسعى إليه السلطة من خلال التضييق على غزة.

 

نعم تحولت المصالحة لوسيلة عقاب, وسوط لجلد ظهور الفلسطينيين, والآن حبست في الأروقة الداخلية, وأسدلت عليها الستائر حتى لا تبين عوراتها, وأصبحت تدار من خلف الكواليس وفي طي الكتمان, أتدرون لماذا لأنها جزء من مخطط تمرير ما تسمى «بصفقة القرن» فالمطلوب الآن ان تكون غزة خاضعة للسلطة الفلسطينية حتى يشملها مخطط الحل النهائي للقضية الفلسطينية, كما رسمته الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني, فالمقصود بالمصالحة الآن ليس التصالح بين فتح وحماس’ فهذا ليس في مصلحة أحد خاصة أمريكا وإسرائيل, المطلوب تسليم غزة للسلطة وادخالها في مخطط الحل النهائي للقضية الفلسطينية لذلك باتت المصالحة في طي الكتمان.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق