رأي الاستقلال العدد (1141)
لا نريد ان نتساوق مع الحرب الكلامية المشتعلة, وتوجيه الاتهامات جزافا لأي طرف فلسطيني بأنه يقف وراء حادثة استهداف موكب رئيس الحكومة في السلطة الفلسطينية رامي الحمد الله أثناء زيارته لقطاع غزة, الحادث يمكن ان يتم التعامل معه بطريقتين مختلفتين, فإما ان يتم استغلاله لنسف المصالحة من جذورها واستمرار العقوبات وتشديد الخناق على غزة, وهذا ما كان يهدف إليه منفذو هذا الانفجار, وإما ان تتمسك السلطة وحركة حماس بشكل اكبر بالمصالحة الفلسطينية, وبذلك تحبطان هذا المخطط وتفشلان أهدافه, وهذا هو المأمول فلسطينيا, فالطرفان أدركا ان هناك من يريد ان يفشل جهود المصالحة, ويسعى لإبقاء حالة الانقسام مستمرة ولأطول فترة ممكنة لتحقيق غايات يسعى إليها الاحتلال والإدارة الأمريكية, بغرض تمرير مخططات تهدف إلى فرض تصور «إسرائيل» للحل النهائي والذي تبنته الإدارة الأمريكية بشكل كامل, وتسعى لتنفيذه بكل السبل الممكنه وبأي طريقة كانت. والحقيقة انه في أعقاب التفجير الذي استهدف موكب الحمد الله بدأت تظهر لغة جديدة وبشكل فج من اجل العودة للمصالحة, وأصبح هناك من يتخطى الخطوط الحمراء بجرأة كبيرة, ويتحدث في أمور لم يكن يجرؤ على طرحها عبر وسائل الإعلام خوفا من غضب الفلسطينيين وردة فعلهم, فبدأ الحديث عن تسلم حكومة الحمد الله للأمن في غزة, وذلك قبل التوافق على آلية التسلم والتسليم, ولو تم هذا فانه يترتب عليه أمور كثيرة وخطيرة.
أولا: تسلم ملف الأمن في قطاع غزة يعني حسب مفهوم السلطة ان تكون الأجهزة الأمنية القوة المسيطرة الوحيدة في قطاع غزة, ولا يكون أمامها أي قوة موازية كي تضمن سيطرتها على الأمور.
ثانيا: تسليم سلاح المقاومة الفلسطينية للسلطة الفلسطينية, وهذا ما تسعى إليه إسرائيل والإدارة الأمريكية, وتشترطه كشرط أساسي للموافقة على المصالحة بين فتح وحماس.
ثالثا: ملاحقة المقاومين والعودة إلى نهج الاعتقال السياسي كما في الفترات السابقة, وكما يحدث اليوم في الضفة, وهذا ما أفصح عنه رئيس السلطة محمود عباس عندما قال: «أننا كما نتعامل امنيا في الضفة نفس الأمر سيحدث في غزة لن نسمح بقوة موازية , وإلا بنتهم عندهم وابننا عندنا».
رابعا: إغلاق معسكرات التدريب التابعة لفصائل المقاومة الفلسطينية, ووقف تصنيع وتطوير السلاح الفلسطيني, وهذا مطلب إسرائيلي أمريكي رئيسي لتمرير المصالحة الفلسطينية.
خامسا: تجفيف كل منابع التمويل المالي الداخلية والخارجية لفصائل المقاومة الفلسطينية, وسيطرة السلطة على هذه الأموال والإشراف عليها, واعتقد ان هذا كان واضحا في تصريحات الحمد الله عندما قال: «لن نسمح بأية مشاريع إلا عن طريقنا فقط وتحت إشرافنا».
سادسا: لن يسمح بتعدد الخيارات في مواجهة الاحتلال, والالتفاف الجمعي حول خيار «السلام» كخيار وحيد للحوار, وإعطاء السلطة الفرصة لإنجاح «مسيرة التسوية» التي لا بديل عنها, لان البديل يضر بالسلطة الفلسطينية ويحرمها من قدرتها على إقناع العالم بمظلوميتها أمام سياسة الاحتلال الصهيوني, وهذا يؤثر على مكانتها الدولية, ويحرمها من التمثيل في المؤسسات الدولية التي نجحت في الانتساب إليها بعد جهد جهيد.
هذا الطريق لو اختارته السلطة الفلسطينية فستكون تبعاته وخيمة على القضية الفلسطينية, وريما يزيد من معاناة غزة وأهلها, ونأمل ان تكون السلطة أكثر حكمة في التعامل مع حادث التفجير, وتختار الخيار الأسهل والذي يأمله شعبنا, بأن يزيدها هذا الحادث الإجرامي إصرارا على المضي بالمصالحة الفلسطينية, والسعي لإنجاح الجهود المبذولة من الأشقاء المصريين لتحقيق المصالحة والبدء بخطوات عملية لتطبيقها وفق ما تم التوافق عليه في القاهرة بين فتح وحماس, ان شعبنا الفلسطيني ينتظر بفارغ الصبر رقع العقوبات عن غزة وفك الحصار الذي يفرضه الاحتلال الصهيوني المجرم, ويرى في ذلك سبيلا لمواجهة مخططات الاحتلال والإدارة الأمريكية التي لا تنتهي ولا تكاد تتوقف, ونأمل ان يتم النظر لمصلحة الناس قبل المصالح الشخصية أو الحزبية الضيقة, فشعبنا الفلسطيني يستحق ان تضحي السلطة وحماس والفصائل الفلسطينية من اجله, والمحفزات التي تدفع باتجاه المصالحة وفق ما تم التوافق عليه يجب ان تكون اكبر من السلبيات التي قد تحدث أحيانا من مستهترين أو مغرضين لا يجيدون إلا العمل في الظلام.


التعليقات : 0