رأي الاستقلال العدد (1144)
بدأت الغيوم تتبدد وتتكشف أمام الناس, وبدا واضحا دوافع جريمة تفجير موكب رئيس الحكومة رامي الحمد الله أثناء زيارته لغزة, وحتى لا نقع فريسة للاتهامات والتقاذف والتراشق الإعلامي, وتوجيه اللوم لطرف على حساب طرف آخر سنترك الحقيقة لحين الإعلان عنها بشكل رسمي, رغم ان هناك وساطات كبرى داخلية وخارجية تجري لمنع إظهار الحقيقة للناس حرصا على إنجاح المصالحة, وحتى نعلو فوق جراحنا, ونغلب مصلحة الوطن على كل المصالح الضيقة, نريد ان نركز على العوامل التي تكفل الخروج من هذا المأزق الذي وضعت فيه غزة بنية مبيته ومع سبق الإصرار والترصد, فغزة أصبحت مطلبا «إسرائيليا» ملحا وهدفا لها بعد ان صمدت في ثلاث حروب عاتية, منها عدوان استمر لأكثر من خمسين يوما, ونجحت غزة في إفشال أهداف العدوان في الحروب الثلاث, لذلك كان لزاما عليها ان تدفع الثمن, وان تمحى من الوجود, فلم يعد حلم رابين بأن تغرق غزة في عرض البحر كافيا, يجب ان يذوق أهل غزة ويلات العذاب في كل لحظة وفي كل حين من الأصدقاء والأعداء على حد سواء, فمن يجرؤ على الوقوف في وجه «إسرائيل» بمنطق الند للند, ويقابل التهديد بتهديد, والصاروخ بصاروخ, والطلقة بطلقة, فلا بد ان يدفع الثمن غاليا ويعاني ضنك العيش وويلات الحصار والفقر والبطالة والقهر والجوع والحرمان.
ان منطق رئيس السلطة محمود عباس بأنه لا ينتظر نتائج التحقيق في حادث التفجير من حركة حماس, وإصراره على أنها تقف وراء هذا التفجير, يدل صراحة على عدم رغبته في إنجاح المصالحة الفلسطينية, كان بإمكانه ان يطالب بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة, أو يكلف رئيس حكومته رامي الحمدالله بصفته وزيرا للداخلية بالتعاون مع وزارة الداخلية في غزة لكشف الجهة المسؤولة عن التفجير, أما ان يقطع الطريق على غزة تماما, ويصر على استئناف العقوبات بل تشديدها, فهذا يدل على ان هناك إصرارا وتصميما على عقاب غزة وأهلها, حتى يذوقوا ألوان العذاب ويأتوه خاضعين, وهذا أصبح واضحا في المطالبة بتسليم قطاع غزة جملة واحدة بأجهزته الأمنية للسلطة الفلسطينية دون قيد أو شرط, وكان واضحا في تصريحات اللواء عدنان الضميري, وقاضي القضاة محمود الهباش اللذين خرجا بتصريحات غريبة تنذر بأن المصالحة باتت مهددة تهديدا حقيقيا بالعودة إلى نقطة الصفر, وبحث كل الأطراف عن خيارات بديلة قد تؤدي لاتساع الفجوة بين فتح وحماس والدخول في سلسلة من الاتهامات المتبادلة والتراشق الإعلامي الذي من الممكن ان يؤثر سلبا على الشارع الفلسطيني, وتكون انعكاساته صعبة وخطيرة, لذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار ما يلي.
أولا: مهما كانت نتائج التحقيق وما سيتم الكشف عنه, فيجب أن يكون الدافع لإنجاح المصالحة اكبر, وأن نعض على جراحنا, ونغلب مصلحة الشعب الفلسطيني على المصالح الضيقة.
ثانيا: :علينا ان ندرك ان الاحتلال الصهيوني هو المستفيد الأكبر من إفشال المصالحة, وهو الذي يضع العقبات في طريقها, ويحاول ان يعزز حالة الاختلاف والشقاق في المجتمع الفلسطيني من خلال إثارة المشكلات.
ثالثا: هناك قضايا مصيرية تفجرت على الساحة الفلسطينية فبرزت ما تسمى بصفقة القرن, وقضايا الحل النهائي واعتبار القدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني, وإلغاء حق العودة, وهذه كلها تحتاج إلى جهد فلسطيني جماعي مشترك لمواجهتها وإحباطها لأنها إن تحققت فنتائجها وخيمة على شعبنا وقضيتنا.
رابعا: يجب تعزيز صمود شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة, والذي يستعد خلال أيام قليلة لإنفاذ مسيرة العودة وهو يواجه ويلات الحصار الذي يفرضه الاحتلال الصهيوني على قطاع غزة منذ اثني عشر عاما, خاصة ان الاحتلال متجه نحو التصعيد العسكري, وهذا يتطلب رص الصفوف وتوحيد المواقف, والاستعداد للمعركة, وتهيئة الأجواء الملائمة لمواجهته والتصدي له.
خامسا: واضح ان مصر تبذل جهدا كبيرا لإنجاح المصالحة الفلسطينية, وفي حال الإخفاق لا سمح الله فان هذا قد يؤدي لرفع مصر يدها عن القضية الفلسطينية والمصالحة تحديدا, وهذا ليس في صالحنا, فمعبر رفح هو المنفذ الوحيد لسكان قطاع غزة على العالم الخارجي, والبوابة المصرية هي المتنفس لحل أزمات القطاع.
المحنة التي تمر بها المصالحة الفلسطينية تتطلب التريث والتدبر قبل اتخاذ أية خطوات قد تؤدي لإفشال المصالحة, وعلى العقلاء ان يتعاملوا مع هذا الملف بمسؤولية كبيرة, فغزة لا تحتمل مزيدا من العقوبات, والغزيون كانوا متفائلين كثيرا بالخروج من حالة الانقسام والتغلب عليها, ونحن مطالبون ألا نصدر لهم اليأس والقلق, فهلا نزعنا فتيل التوتر وبعثنا الأمل مجددا في نفوس الفلسطينيين!


التعليقات : 0