رأي الاستقلال العدد (1147)
كالعادة كلما انتفض الشعب الفلسطيني لمواجهة الاحتلال الصهيوني وحققت خطواته انجازات حقيقية وملموسة هب البعض لإنقاذ "إسرائيل" من ورطتها, وتحالفت قوى الشر العالمية لأجل إحباط هذا الانجاز, وتكالب المتآمرون والخونة والأوغاد على إرادة الشعب الفلسطيني لتقديم قرابين الولاء والسمع والطاعة للإدارة الأمريكية والاحتلال الصهيوني, ظنا منهم ان هذا الأمر سيكفل لهم استقرار أوضاعهم واستتباب حكمهم, لقد سمعنا تصريحات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان التي اقر فيها حق "إسرائيل" بالعيش فوق أراضيها – والمقصود بها الأراضي الفلسطينية- بسلام في سابقة خطيرة لم تحدث من قبل ولم يجرؤ عليها أي رئيس عربي.
كما تواردت أنباء عن تدخل دول عربية عدة لمنع مسيرة العودة الكبرى ووقف الفعاليات الجماهيرية خاصة بعد أن فضحت الأحداث الدامية والجرائم المرتكبة "إسرائيل" أمام العالم وكادت ان تصدر بيان إدانة لولا تدخل الإدارة الأمريكية التي أوقفت بيان كان سيصدر عن الأمم المتحدة يدين "إسرائيل" على جرائمها في مواجهة مسيرة العودة "السلمية" والتي أدت لاستشهاد 19 فلسطينيًا حتى الآن وإصابة أكثر من 1700 آخرين بجراح مختلفة.
إن القتل وسفك الدماء لمتظاهرين سلميين لا يحملون إلّا العلم الفلسطيني جريمة لا يعاقب عليها القانون وفق سياسة المجتمع الدولي بمؤسساته المختلفة, طالما أنها تستهدف الفلسطينيين, فالاحتلال استسهل القتل وسفك الدماء, في ظل الحماية الأمريكية والصمت الدولي والعجز العربي والإسلامي, وضعف السلطة, لقد عجزوا جميعًا عن محاسبة الاحتلال على جرائمه, وكأن الدم الفلسطيني مهدور ومستباح وليس له ثمن, الاحتلال الذي يتسابق جنوده على قتل فتى فلسطيني لأنه يحمل عجل "كاوشوك" ويصوب الرصاص نحوه وهو يركض من مكان لمكان حاملا الكوشوك بيده, وكأنه كان يحمل قنبلة ذرية أو حزاما ناسفا, وحقيقة ان جنود الاحتلال ما كانوا ليجرؤوا على قتل "فتى الكوشوك" على مرأى ومسمع العالم كله وأمام عدسات الكاميرا وهو يعلم تمامًا أنها ترصده لولا انه امن العقاب, ومن امن العقاب استسهل إراقة الدماء, لم يزعج احد ان يستخدم الاحتلال الأسلحة المحرمة دوليا ضد مدنيين عزل, فرصاصة واحدة كانت كافية لإصابة ثلاثة فلسطينيين دفعة واحدة, لم يتحرك احد لاستنكار هذه الجرائم, ولم نسمع كلمة شجب أو استنكار ضد الاحتلال, إنما سمعنا استجداء وحديث عن التعايش المشترك وإقامة علاقات مباشرة مع الاحتلال, كي يحل السلام ويسود الأمن والاستقرار في المنطقة برمتها, وتحيا "إسرائيل" فوق "أرضها" بأمن وأمان, هكذا ينظر الرسميون العرب للاحتلال ويسعون للتمكين لأنفسهم على حساب فلسطين وقضيتها, وأنى لهم ذلك ففلسطين اكبر منهم جميعًا.
أما مسيرات العودة في الضفة الغربية فهي للأسف الشديد محظورة من قبل أجهزة امن السلطة, ولا يسمح للمواطنين بالوصول لمناطق التماس مع الاحتلال, وهناك 140 معتقلا سياسيا في سجون السلطة الفلسطينية محتجزين بتهمة التحريض ضد الاحتلال, أغلبهم من الأسرى المحررين ومن المحسوبين على حركتي حماس والجهاد الإسلامي, ومن بين المعتقلين صحفيين وأبناء شهداء وطلاب جامعات, وعدد منهم مضربين عن الطعام دون أن يعلم بهم احد, حتى ان أهلنا في الضفة يمنعوا من الوصول للمسجد الأقصى للصلاة فيه وحمايته من الاقتحامات اليومية التي يتعرض لها من قطعان المستوطنين الصهاينة خاصة في الأعياد اليهودية "البيسح" التي يحييها الصهاينة هذه الأيام, ومحاولات إقامة صلوات تلمودية فيه, وتقسيمه زمانيا ومكانيا, وغزة التي تحيي ذكرى النكبة بفعاليات جماهيرية حاشدة عليها ان تدفع الثمن من قتل وحصار وعقوبات وإغلاق معابر وفقر وبطالة وتلوث بيئي وبنية تحتية متهالكة, وفي النهاية عليها ان تخضع لعاصفة حزم مدمرة كما طالب رئيس السلطة حتى تعود إلى "الشرعية" وتدخل في خطة "الحل النهائي" التآمرية.
مسيرة العودة الكبرى ماضية, وأعداد المتضامنين والملتحقين بها تتزايد, كل يوم تنظم فعاليات جديدة على الشريط الحدودي, فالشعب الفلسطيني استباح الحدود التي كان الاحتلال يمنع الفلسطينيين من الاقتراب منها, والشعب الفلسطيني سيواصل مسيرة العودة, وستخرج مشاهد جديدة على شاشات التلفاز ليشاهدها العالم وتظهر عظمة هذا الشعب وجبن الاحتلال الصهيوني واستسهالة للقتل وإراقة الدماء, ستشاهدون أبطالا أخر مثل "فتى البصلة" و"شهيد الكاوشوك" وفتاة العلم, ستشاهدون ملاحم بطولية حقيقية, اجلسوا أمام شاشات التلفاز لتتعلموا معنا الفداء والتضحيات, اجلسوا لتشاهدوا الملاحم وتحكوها لأبنائكم علهم يثورون, ان معركتنا مع الاحتلال ممتدة, الفلسطينيين يواجهون وحدهم اعتى آلة عسكرية على مستوى العالم, ويجابهون سياسة أمريكا والمجتمع الدولي وحدهم, يواجهون حالة الضعف والخذلان العربي وحدهم, يجابهون الحصار والعقوبات وحدهم, ذلك لأنهم يؤمنون بعدالة قضيتهم وسيمضون في طريقهم متخطين كل العقبات حتى يصلوا لأهدافهم.


التعليقات : 0