رأي الاستقلال العدد (1159)
هكذا سيحيي الفلسطينيون أيام وليالي شهر رمضان المعظم, الذي يهل علينا هذا العام ونحن لا زلنا نشيع شهداءنا الأبرار الذين استشهدوا في اليوم المشئوم الذي نقلت فيه السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس, فأثناء إحياء الذكرى السبعين للنكبة لن تتوقف مسيرات العودة لا في نهار رمضان ولا في لياليه, فرسالتنا واضحة للاحتلال ان العودة حق مقدس, ولا يمكن بأي حال من الأحوال المساومة على هذا الحق, وكل هذا الإجرام الصهيوني وسفك الدماء وإزهاق الأرواح لن يثني شعبنا الفلسطيني عن مواصله نضاله وتضحياته وانتفاضته المباركة حتى تتحقق الغايات المنشودة وينال شعبنا كافة حقوقه المسلوبة, فنقل السفارة لا يعني ان القدس أصبحت يهودية, لان ترامب لا يملك القدس ولا مصيرها, وهو لا يملك القدرة على تحويل الهوية العربية والإسلامية للقدس, فهي حاضرة في معالمها وتاريخها وتراثها وهى غير قابلة للتغيير والتهويد.
على أبواب هذا الشهر الفضيل سالت دماء الأبرياء في غزة, استشهد خمسة وستون فلسطينيا وأصيب نحو 2500 آخرين بجراح متفاوفتة, ومن بين الشهداء الأطهار نساء وأطفال, دون ان يحرك هذا الفعل الإجرامي ضمائر ميته ترى ان عروشها اكبر من الشعوب بل واكبر من الأمة جمعاء, لذلك غضت الطرف عما يحدث من جرائم في فلسطين حفاظا على المواقع والعروش, وخرج المطبعون ليهنئوا «إسرائيل» بما يسمى عيد استقلالها, بعد ان أقام سفير هذا الكيان المجرم حفلا في إحدى العواصم العربية بمناسبة قيام ما تسمى دولة «إسرائيل» شارك فيه عدد من السياسيين العرب وبرلمانيون ورجال أعمال سماسرة يحكمهم منطق الربح والخسارة, بينما اعتبرت سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة نيكي هايلي إن إسرائيل تحلت بضبط النفس في مواجهة استفزاز حماس مضيفة «لا يوجد أي بلد في هذا المجلس كان سيتصرف بضبط نفس أكثر مما فعلت إسرائيل وهذا المنطق الأمريكي في الحوار يفضح السياسة الأمريكية تجاه الفلسطينيين ويعزز من صورة الانحياز الأمريكي السافر للاحتلال الصهيوني على حساب الحقوق الفلسطينية المشروعة.
في المقابل طالبت إيران بمحاكمة المسؤولين الصهاينة باعتبارهم “مجرمي حرب لارتكابهم “مجازر وحشية لا مثيل لها وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية بهرام قاسمي ان “قتل الأطفال والنساء والأبرياء من الفلسطينيين واحتلال أرضهم تحول إلى إستراتيجية رئيسية للصهاينة على مدى 70 عاما من الاحتلال”. وقال الرئيس حسن روحاني ان انسحاب الإدارة الأميركية من الاتفاق النووي المبرم ونقل سفارتها إلى القدس من “الأخطاء الكبيرة التاريخية لواشنطن”. وقالت تركيا إن «واشنطن مسؤولة مع إسرائيل عن المذبحة الدنيئة»، واستدعت سفيريها لدى البلدين, كما استعدت جنوب إفريقيا سفيرها لدى «إسرائيل» وأدانت الطريقة العشوائية والخطيرة للهجوم الإسرائيلي الأخير على المدنيين العزل». حتى مواقف بريطانيا وألمانيا وفرنسا جاءت لتدين إفراط الاحتلال في استخدام القوة بحق مدنيين عزل, ولا زالت الاحتجاجات الشعبية والرسمية تتصاعد وتتسع في وجه الاحتلال لان الفعل المقاوم والتضحيات هي التي تنتزع المواقف من الأفواه الصامتة.
الصراع محتدم بين قوى الشر المتمثلة بأمريكا و»إسرائيل» والقليل من مؤيديهما, وبين دول العالم التي أصبحت مطالبة بالبحث عن مصداقيتها التي سلبتها «إسرائيل» والإدارة الأمريكية, فالمجتمع الدولي يخسر كثيرا عندما يقف عاجزا عن التصدي لسياسات الاحتلال, والمؤسسات الدولية تفقد من مصداقيتها وحياديتها كثيرا عندما تعجز عن إلزام الاحتلال للانصياع للقوانين الدولية, كما عبر عن ذلك مندوب فرنسا لدى الأمم المتحدة, بينما قام المندوب البوليفي بتلاوة بعض أسماء شهداء مجزرة غزة، وقال في كلمته التاريخية عن إسرائيل: أنتم تقتلون الأطفال والنساء. وأشار إلى أن غزة تحولت لسجن كبير ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس ألهب المشاعر, وقال مخاطباً الفلسطينيين: « أطلب المغفرة من الشعب الفلسطيني بعد 70 عاما من عجز مجلس الأمن عن نصرتكم «. وأضاف قائلا : « لا تكرروا لفظ حماس وكأنها هي المشكلة الحقيقية، المشكلة هو الاحتلال الذي قام بسرقة الأراضي، عندما ينتهي الاحتلال تنتهي كل المشاكل «.
ما نسوقه من مشاهد لردات الفعل الدولية على جرائم الاحتلال الصهيوني, يدل على ان الفعل الكبير والتضحيات التي دفعها الغزيون مع جريمة نقل السفارة لم تذهب هدرا, والعالم أصبح مطالباً بالبحث عن حلول لمشكلات غزة, وقد علت الأصوات بضرورة رفع الحصار عن القطاع, علما ان هذه الخطوة ليست على حساب الثوابت الفلسطينية التي لا يمكن التنازل عنها أو التفريط فيها أو التفاوض حولها بأي حال كان. غزة تصنع المعجزات, وتضرب نموذجا في التضحية والفداء, وكل من يحاول تجريمها ونبذها ووصمها بالإرهاب ستفضحه تضحيات أهلها المجاهدين وعطاءاتها التي لا تنتهي, وليعلم الجميع ان حصار غزة وخنقها وتحويلها إلى سجن كبير سيزيد من إصرار الغزيين على المضي في نضالهم وكفاحهم ضد الاحتلال, ولن يضمن على الإطلاق «لإسرائيل» أمنها وسلامتها, فإرادة الشعب الفلسطيني أقوى من الفولاذ ولن يكسرها بطش الاحتلال أو جرائمه وجازره البشعة كما لن يوقفها الفعل الأمريكي الدنيء .


التعليقات : 0