"الخط الأصفر" وخطة ميلادنوف: مساران متوازيان أم مشروع واحد؟

تقارير وحوارات

غزة / معتز شاهين:
تواصل "إسرائيل" ترسيخ وجودها العسكري في ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" داخل قطاع غزة، بالتوازي مع مساعٍ لفرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض، في وقت تتقدم فيه أطروحات سياسية دولية، أبرزها خطة المبعوث الأممي نيكولاي ميلادنوف، التي تتحدث عن انسحاب تدريجي مقابل نزع سلاح الفصائل. هذا التداخل بين التحرك الميداني والمسار السياسي لا يبدو عابرًا، بل يعكس ملامح مرحلة يجري فيها إعادة تشكيل واقع القطاع أمنيًا وسياسيًا.
ويثير هذا التوازي جملة من التساؤلات حول حقيقة ما يجري في غزة، وما إذا كانت هذه التحركات تمثل جزءًا من رؤية أوسع تستهدف إعادة هندسة المشهد الفلسطيني، بما يشمل مستقبل المقاومة ودور القطاع في المعادلة الإقليمية المقبلة.
وفي هذا السياق، يرى محللون سياسيون أن ما يحدث لا ينفصل إلى مسارين متوازيين بقدر ما يشكل مسارًا واحدًا بأداتين متكاملتين؛ الأولى ميدانية تتمثل في تثبيت "الخط الأصفر" وفرض واقع جغرافي وأمني جديد، والثانية سياسية تتجسد في خطة ميلادنوف، التي تسعى إلى إعادة صياغة هذا الواقع ضمن إطار تفاهمات أو اتفاق دولي.
ويجمع هؤلاء، في أحاديث منفصلة لصحيفة "الاستقلال"، على أن العلاقة بين المسارين ليست تناقضًا كما قد تبدو، بل تكامل وظيفي؛ إذ تعمل "إسرائيل" ميدانيًا على إضعاف بيئة المقاومة وتفكيكها، فيما يأتي المسار السياسي لاحقًا ليمنح هذه التحولات غطاءً وشرعية على المستوى الدولي.

وكشفت "الجزيرة نت" تفاصيل خطة "نزع السلاح" المطروحة، التي تتكون من خمس مراحل، ترتبط كل مرحلة فيها بخطوات إسرائيلية وفلسطينية متزامنة، وتُدمج عملية نزع "سلاح المقاومة" في إطار سياسي وأمني شامل.
وربطت الخطة، التي قدمها المبعوث الدولي ميلادنوف إلى حركة "حماس"، ملف الإعمار ودخول اللجنة الإدارية إلى قطاع غزة بالتقدم في ملف "نزع السلاح"، على أن يقابل ذلك انسحاب إسرائيلي جزئي من بعض مناطق القطاع.
ويمتد تنفيذ الخطة على عدة أشهر عبر مسارات متعددة، تبدأ بوقف شامل للعمليات العسكرية، يترافق مع إجراءات إنسانية عاجلة من الجانب الإسرائيلي، وتمكين حركة "حماس" للجنة الوطنية من إدارة غزة.
وتشير الوثيقة إلى أن التقدم في أي مرحلة يخضع لمراقبة دقيقة، بحيث لا يمكن الانتقال إلى المرحلة التالية إلا بعد التحقق من تنفيذ الالتزامات بشكل كامل.
وعلى صعيد متصل، كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية، أن جيش الاحتلال يعمل بوتيرة متسارعة على تكريس ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" كحدود أمر واقع دائمة، من خلال تعزيز وجوده عبر إنشاء 32 موقعًا عسكريًا ونقاط تمركز، إلى جانب إقامة حواجز ترابية وبُنى هندسية عسكرية.
أداة تفاوض
واعتبر الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة أن خطة المبعوث الدولي نيكولاي ميلادنوف لنزع سلاح المقاومة تمثل تحولًا جوهريًا في مقاربة التعامل مع قطاع غزة، من ساحة صراع مفتوح إلى ملف أمني-إنساني قابل للإدارة ضمن ترتيبات دولية أوسع.
وأوضح أبو رحمة، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن الخطة تقوم على مبدأ التدرج المتزامن، حيث يُربط كل إجراء أمني بخطوة سياسية أو اقتصادية مقابلة، بحيث يتحول سلاح المقاومة إلى أداة تفاوض ضمن صفقة شاملة تتضمن تخفيف الحصار، وإدخال مشاريع إعادة الإعمار، وتنفيذ انسحابات إسرائيلية جزئية، مقابل التقدم في تفكيك أو تحييد القدرات العسكرية للمقاومة.
وأشار إلى أن هذا الطرح يعكس إعادة تعريف لطبيعة الصراع في غزة، من كونه صراعًا تحرريًا إلى ملف قابل للاحتواء والإدارة، لافتًا إلى أن ربط الإعمار بالمسار الأمني يعني عمليًا أن تحسين الواقع المعيشي للسكان يصبح مشروطًا بإضعاف بنية المقاومة، في إطار إعادة تشكيل القطاع ككيان منزوع القدرة العسكرية.
وفي سياق متصل، تطرق أبو رحمة إلى ما كشفته صحيفة "هآرتس" بشأن تثبيت "الخط الأصفر"، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل محاولة إسرائيلية لإعادة رسم الحدود داخل القطاع عبر فرض شريط أمني فعلي من خلال مواقع عسكرية وحواجز ومناطق عازلة.
وبيّن أن هذا الخط لا يمكن اعتباره إجراءً مؤقتًا، بل مشروع طويل الأمد يهدف إلى تقليص مساحة غزة وفرض وقائع ميدانية جديدة تُستخدم لاحقًا كمرجعية في أي مفاوضات سياسية، بما يعزز الموقف التفاوضي الإسرائيلي.
وحول العلاقة بين المسار الميداني والمسار السياسي، رأى أبو رحمة أن ما يبدو تناقضًا ظاهريًا بين فرض الوقائع بالقوة وطرح مسار تفاوضي تدريجي، يخفي في حقيقته حالة من التكامل غير المعلن، حيث تعمل "إسرائيل" على تفكيك بيئة المقاومة ميدانيًا، فيما يأتي المسار السياسي ليُضفي شرعية على هذه التحولات.
وخلص إلى أن ما يجري هو مسار واحد بأداتين: أداة ميدانية تتمثل في "الخط الأصفر" لفرض واقع جغرافي وأمني جديد، وأداة سياسية تتمثل في خطة ميلادنوف لإعادة صياغة هذا الواقع ضمن اتفاق دولي، بما يقود في النهاية إلى إعادة تشكيل قطاع غزة ككيان أقل مساحة وسيادة، ومقيد القدرات العسكرية، ومرتبط اقتصاديًا بمشاريع دولية.

واقع جديد
وقالت الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة إن خطة المبعوث الدولي نيكولاي ميلادنوف، التي تتضمن نزع سلاح الفصائل المسلحة، تهدف ضمن مسار سياسي وأمني شامل إلى خلق واقع جديد في قطاع غزة يقوم على إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني بما يخلو من أي أنشطة مقاومة، خاصة المسلحة منها.
وأضافت عودة، في حديثها لـ"الاستقلال"، أن الخطة تعكس وجهة النظر الإسرائيلية، التي ترى أن الانسحاب من قطاع غزة سيكون على مدى زمني طويل جدًا، مؤكدة أن الهدف النهائي هو خلق واقع جديد على الأرض يُضعف المقاومة ويعيد ترتيب أولويات القطاع ضمن أطر سياسية واقتصادية محددة.
واعتبرت أن الخطة تشكل تحديًا كبيرًا لقدرة الفصائل الفلسطينية على الاحتفاظ بدورها الاستراتيجي، مؤكدة أن أي تسليم تدريجي للسلاح سيكون مرتبطًا بمستوى الالتزام الدولي والضغوط السياسية، وأن الخطة تعمل على فرض وقائع جديدة على الأرض قبل الوصول إلى أي تسويات سياسية نهائية.
وفيما يتعلق بما كشفته صحيفة "هآرتس" حول تثبيت "الخط الأصفر"، رأت عودة أن هذه الخطوة تعكس عدم رغبة "إسرائيل" في الانسحاب من تلك المناطق في المدى القريب، مرجحة استمرار وجودها هناك لعدة سنوات.
وبيّنت أن إسرائيل تتعامل مع "الخط الأصفر" كأداة ضغط ومساومة، تستخدمها لعزل المقاومة وسلاحها عن قطاع غزة، وتعزيز موقعها التفاوضي مستقبلًا عند بحث قضايا الحدود النهائية مع الجانب الفلسطيني.
وأضافت أن هذا الواقع يعكس نوعًا من التناقض بين المسار الميداني الإسرائيلي، الذي يسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، والمسارات السياسية المطروحة دوليًا، بما فيها خطة ميلادنوف، التي تربط أي تقدم بملف نزع سلاح المقاومة.
ورجّحت عودة أن "الخط الأصفر" لن يكون حدودًا دائمة، بل ورقة مؤقتة قد يجري التراجع عنها في حال التوصل إلى ترتيبات دولية، خاصة إذا تم نشر قوات دولية في القطاع، مشيرة إلى أن نطاقه قد ينحصر مستقبلًا في مسافة محدودة على أطراف غزة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق