رأي الاستقلال العدد (1166)
واهم من يعتقد ان «إسرائيل» تبحث عن حلول لمشاكل قطاع غزة الحياتية, أو تحاول ان تخفف الحصار عن غزة, فسياسة «إسرائيل» قائمة دائمة على عدم تقديم تنازلات لصالح «الأعداء» إلا في حالتين فقط الأولى ان يكون التنازل مقابل تنازل اكبر من الطرف الآخر يعود بالفائدة المباشرة على «إسرائيل» وهذا كان واضحا وجليا في توقيع معاهدة كامب ديفيد مع مصر عندما انسحبت «إسرائيل» من سيناء وأقامت علاقات مباشرة مع مصر أدت لتفتيت وحدة الأمة العربية, وتحييد اقوي جيش عربي في المنطقة, وفك عزلة إسرائيل في الشرق الأوسط, وتنفيذ مشاريع اقتصادية بالشراكة مع مصر تعود بالفائدة الكبيرة على هذا الكيان المجرم, بالإضافة إلى الغزو الفكري والثقافي والانفتاح على طبقة من «المثقفين التطبيعيين» الذين دافعوا عن «إسرائيل» وبرروا لها جرائمها, ودعوا إلى إقامة علاقات مباشرة معها والدفع باتجاه «السلام» معها كخيار استراتيجي لا بديل عنه.
أما الحالة الثانية التي يمكن «لإسرائيل» ان تقدم فيها تنازلا لصالح «أعدائها» فهي الضربات العسكرية المتلاحقة ونهج المقاومة الذي لا يعرف المساومة والتفريط, والذي يرد الصاع صاعين, وهذا برز واضحا وجليا في انسحاب «إسرائيل» من قطاع غزة تحت ضربات المقاومة الفلسطينية والعمليات الاستشهادية النوعية التي نفذها المقاومون والاقتحامات المستمرة للمستوطنات الصهيونية من قبل الفدائيين الفلسطينيين والتي جعلت المستوطن الصهيوني يشعر انه غير امن ويقامر بحياته عندما يمكث داخل المستوطنة, فاندحرت «إسرائيل» عن القطاع بعد ان كانت تؤكد أنها لن تنسحب أبدا من غزة, وان مستوطنة نيتساريم المقامة على أراضي غزة تساوي تل أبيب ولا يمكن إخلاؤها بأي حال من الأحوال, لكن المقاومة أجبرتهم على الانسحاب والفرار من غزة بفعل أدائها الجهادي المقاوم والمتميز والذي أربك الاحتلال ودفعه للفرار, ونفس الأمر حدث في بيروت في حرب تموز 2006م عندما اندحر الصهاينة أمام بسالة وصمود المقاومة اللبنانية.
الكابينت الصهيوني اجتمع بالأمس للبحث عن وسائل لتنفيس الحصار الذي يفرضه على قطاع غزة, وهو ينتهج في ذلك مسلكين الأول التهديد والوعيد حيث يتحدث الاحتلال عن العودة إلى جرائم تصفية القيادات الفلسطينية وتم تسريب أسماء يقول الاحتلال إنها وضعت على قائمة الاستهداف, كما هدد بتصفية الشخصيات التي تقوم على تنظيم مسيرات العودة, وأكد على تشديد الضربات ضد المتظاهرين المشاركين في مسيرات العودة خاصة من يحاول اقتحام الحدود أو إطلاق الطائرات الورقية الحارقة, وقد قام أول من أمس باستهداف مجموعة من المواطنين الذين كانوا يحاولون تطيير طائرات ورقية باتجاه منطقة الغلاف الحدودي فاستهدفتهم طائرة استطلاع صهيونية بصاروخ ليرسي الاحتلال أبشع سياسة عرفتها البشرية وهى صاروخ مدمر باتجاه طائرة ورقية يطيرها أطفال فلسطينيون, أما المسلك الثاني فهو المساومة والضغط للقبول بأقل القليل من خلال تقديم عروض باهته للفلسطينيين عبر وسطاء دوليين وعرب, والحديث عن تسهيلات وتخفيف للحصار في مقابل وقف مسيرات العودة وإعادة الهدوء إلى قطاع غزة, وما يعرضه الاحتلال دائما إجراءات شكلية مؤقتة كفتح معبر كرم أبو سالم لإدخال مساعدات, وتوسيع مساحة الصيد إلى تسعة أميال, والسماح للتجار بالتنقل خارج القطاع, وغيرها من الإجراءات الشكلية التي سرعان ما تنتهي بمجرد أن تحقق «إسرائيل» مآربها.
الفلسطينيون لا ينتظرون حلولا لمشاكلهم مع الاحتلال الصهيوني الذي يفرض الحصار على قطاع غزة للعام الحادي عشر على التوالي, ولا ينتظر من «إسرائيل» تحسين الأوضاع المعيشية لسكان القطاع, الشعب الفلسطيني ينتظر من السلطة الفلسطينية رفع العقوبات عن قطاع غزة, وحل الأزمات العاجلة كأزمة الكهرباء, وإعادة صرف رواتب الموظفين, وسد النقص في المستشفيات من الأدوية والمستلزمات الطبية, لا بد ان تمارس ضغوطات على السلطة الفلسطينية من قيادات فتح وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية لرفع كل العقوبات عن القطاع, والعودة إلى ملف المصالحة الفلسطينية وفق ما تم التوافق والتوقيع عليه في اتفاق القاهرة, وما أقرته اللجنة التحضيرية في مؤتمر بيروت 2017م والذي ضم كل الفصائل الفلسطينية, لا نريد ان يتشتت جهدنا في صراعات جانبية تستنزف طاقاتنا وتضعف من قوتنا, نريد ان يتركز الجهد الفلسطيني كله تجاه الاحتلال الصهيوني الذي يحاول دوما إضعاف جبهتنا الداخلية وتشتيت مواقفنا وإدخالنا في دوائر كثيرة من الصراع, كي يستطيع ان يحقق أطماعة وينفذ برامجه ومخططاته بالشكل الذي يريد وبالكيفية التي ترضيه.


التعليقات : 0