رأي الاستقلال العدد (1171)
يخوض الاحتلال الصهيوني حروبا متعددة ومتنوعة لا هوادة فيها ضد الشعب الفلسطيني من بينها حرب المال, حيث يشهد قطاع غزة أزمات مالية حادة ومتلاحقة وخانقة, بعد ان اخذ الاحتلال الصهيوني على عاتقه تجفيف منابع التمويل للفلسطينيين, فشرع بحملات واسعة أدت لتقليص الدعم المالي للسلطة الفلسطينية ووكالة الغوث الدولية والمؤسسات الاغاثية, ومنع إدخال المساعدات العينية الإنسانية إلى قطاع غزة والتصدى لقوافل المساعدات البحرية بالسطو عليها ومصادرة محتوياتها, وفي الحالات النادرة تسمح سلطات الاحتلال بإدخال المساعدات البرية لقطاع غزة ولكن يشترط دخولها عن طريق المعابر التي يديرها ويسيطر عليها الاحتلال, ويقوم باحتجازها لعدة أشهر إلى ان تفقد صلاحيتها أو يقوم بمصادرتها أو إدخالها بشروط تعجيزية.
حرب الاحتلال امتدت إلى أموال الضرائب التي يجبيها من الفلسطينيين ويتحكم في تحويلها للسلطة الفلسطينية وسرعان ما يلوح بمنعها عن الفلسطينيين واحتجازها لديه بحجة أنها توجه لدعم «الإرهابيين», ومؤخرا اتخذ الاحتلال قرارا بخصم أموال المساعدات للأسرى والجرحى والشهداء من أموال الضرائب المحتجزة لديه, كما يمنع الاحتلال البنوك من استقبال أية حوالات مالية للمواطنين الغزيين خاصة إذا بلغت قيمة الحوالة المالية أكثر من ألف دولار, وانه يجب معرفة وجهتها ومن أين جاءت وما الغرض من تحويلها, ويمنع الاحتلال مكاتب الصرافة المرخصة من صرف قيمة التحويلات المالية الكبيرة من الدولار إلى الشيكل, ومن يقوم بذلك يفقد ترخيصه ويمنع من العمل في مجال تحويل الأموال وصرافتها, كما قام الاحتلال بقصف مكاتب للصرافة في غزة بحجة أنها قامت باستقبال حوالات مالية لمنظمات «إرهابية» أو أنها قامت بتحويلها من دولار للشيكل, ويمنع الاحتلال ضخ المال وإدخال العملة إلى قطاع غزة, وقد قام بمقاضاة عدة بنوك في غزة وإلزامها بدفع تعويضات مالية ضخمة لإسرائيليين بحجة أنها استقبلت أموالا لمنظمات «إرهابية» أضرت «بإسرائيل».
حرب المال التي يخوضها الاحتلال امتدت للأسف الشديد لتضع قيودا على دول عربية التزمت بحصة دعم للسلطة الفلسطينية في مقررات قمم عربية سابقة, وجبنت هذه الدول عن تقديم الدعم المالي المطلوب للسلطة خوفا من «إسرائيل» والإدارة الأمريكية, مما ساهم في زيادة الأعباء المالية على الفلسطينيين, وسوء أوضاعهم المعيشية, فامتنعت السلطة عن تقديم رواتب كاملة للموظفين في قطاع غزة, ولم تقم بمنح الوزارات الميزانيات المطلوبة مما أدى إلى تعطيل دورها وتراجع أدائها تجاه المواطنين, فنتجت أزمات عدة منها قلة الدواء وعدم توفر الأجهزة الطبية اللازمة, وعدم قدرة المدارس على استيعاب آلاف الطلاب وتطوير المناهج التعليمية وتحسين الأداء التعليمي, حتى أموال المساعدات للحكومية والوكالة التي تقدم للفقراء والمحتاجين لا تقدم في مواعيدها وتخضع للتقليصات, وتم مؤخرا فصل عدد كبير من المواطنين الذين يتلقون مساعدات مالية من الشؤون الاجتماعية والوكالة بحجة الأزمات التي تعاني منها الحكومة والوكالة على حد سواء.
ان أزمتنا مع الاحتلال ليست أزمة إنسانية أو اقتصادية, نحن شعب نعيش تحت وطأة الاحتلال وقد سلبت أرضنا ومقدساتنا, ومعركتنا مع الاحتلال قائمة على استرداد حقوقنا المسلوبة, ودحره عن أرضنا المغتصبة ومقدساتنا, ومهما حاول الاحتلال حرفنا عن مسارنا فلن يستطيع, لأننا ندرك ان كل أزماتنا التي نعاني منها سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو المعيشي ناجمة عن وجود هذا الاحتلال البغيض فوق أرضنا, ولن تنتهي مشكلاتنا إلا بزوال هذا الاحتلال المجرم وخروجه من أرضنا, وإذا كانوا يعتقدون ان مفاقمة مثل هذه الأزمات الإنسانية والمعيشية ستجبر الفلسطينيين على القبول بما تسمى بصفقة القرن فهم واهمون, فصفقة القرن لن تمر من فلسطين أو من غزة, فغزة ستمثل المسمار الأخير في نعش هذه الصفقة ولن تسمح بها مهما تعاظمت المشكلات وتفاقمت الأزمات وتعددت المؤامرات, نحن ندرك دورنا جيدا, وندرك واجبنا ليس نحو شعبنا الفلسطيني فقط, إنما نحو هذه الأمة التي أخذنا على عاتقنا مهمة الدفاع عنها, حتى وان تخلوا هم عن واجبهم تجاه فلسطين وشعبها, سنبقى ندافع عن شرف هذه الأمة وكرامتها إلى ان تستفيق من سباتها وتأخذ زمام الأمور بيدها, وتقود معركة التحرير والخلاص من هذا العدو المجرم الذي يتربص بنا ليل نهار لأجل السيطرة على هذه الأمة وسلبها لإرادتها وكرامتها حتى لا تستعيد أمجادها وتسود في الأرض.


التعليقات : 0